التشريع «من الصابرين» أمام أمرك! وفي تحويل «صابرا» عن خاصة نفسه إلى «الصابرين*» حيث تشمله وسواه ، تحوّل من الأنانية بالتفرد ، إلى جمعيته الرحمة ، وتلميح أديب توصية إلى أبيه بالتصبر كما هو يصبر وأين صبر من صبر!
هنا لا تأخذه بطولة ولا شجاعة واعتماد على همة ولا يرى لنفسه حولا ولا قوة إلّا بالله ، ويا للأدب الرائع ونبل الإيمان وجزالة التسليم ، وإلى المذبح بكل طوع وتعظيم :
(فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)(١٠٥).
أو لم يسلما لحد الآن؟ ومن قبل كانا مسلمين بكل مراتبه! أجل ولكنه حاضر التسليم عمليا ، بعد تحضيره نظريا ، وأين القول من النظر؟ وأين النظر من العمل؟ «تقولون في المجالس كيت وكيت فإذا جاء الجهاد فحيدي حياد»!
(فَلَمَّا أَسْلَما) ثم ماذا؟ «وتله» صرعه «للجين» ثم ماذا؟ لا نجد بين إسلامهما وتلّه هنا حديثا ، وهو مطوي يعرفه بطبيعة الحال كل عارف بالموقف والحال ، ولا نجد ل ـ «فلما ...» جوابا ، وقد طوي عنه لأنه مدهش دون حدّ ، وموحش لأي أحد. وها هنا كل إخلاص وإسلام ، هنا كل إسلام وتلّ ، واستسلام على التّلّ ، إسلام التل وتلّ الإسلام في أرفع قمة من القلل ، إسلام لا يفوقه إسلام.
إنه ليس هو الشجاعة والجرأة ولا اندفاعة وحماسة في الميدان ، يقتل فيه المجاهد أو يقتل ، ولكنه لا يقتل نفسه ، بل أنفس من نفسه :
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٥ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3050_alfurqan-fi-tafsir-alquran-25%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
