أُحِبُّ الْآفِلِينَ) فكيف يكون الإله آفلا غافلا عن خلقه ، فذاتية الأفول دليل على ذاتية الحاجة والحدوث ، والفطرة الإنسانية تتطلب إلها لا يأفل ولا يغفل ، بل هو إله لا أزلي أبدي لا أوّل له ولا آخر وهو الأول والآخر.
(فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً) وهو أسطع نورا من ذلك الكوكب ومن كلّ كواكب السماء ، وأكبر منه حجما (قالَ هذا رَبِّي) تدرجا في تحريه إلى الحق المرام وهو الكمال المطلق ومطلق الكمال ، استدراجا لهم واستهواء لقلوبهم تمشيا بأقدام الفطرة في تحريها (فَلَمَّا أَفَلَ) هذا الأنور والأكبر كما الأصغر (قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) عما فطرهم عليه من معرفة اللّامحدود ، تبيانا أن الله هو مصدر الهدى ومانح التوفيق لها عن الردى (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً) يتألق نورها وينبعث منها شعاعها وقد كست الأفق جمالا وملأت الأرض زينة ودلالا (قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ) فلأنه أكبر قد لا يأفل والفطرة متحرية عن الكبير الذي لا يصغر (فَلَمَّا أَفَلَتْ) كسائر الآفلين حكم على جماعة عبدة الكواكب وأمثالها من الآفلين ـ وكلّ الكائنات آفلة مهما اختلفت المظاهر ـ حكم عليهم بالإشراك وبراءته عنه (قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ) بكلّ وجوهه الفطرية والعقلية والقلبية «للذي» فطرهن و (فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً) معرضا عما سواه ومسلما إياه (وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
أجل و (إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) ـ (وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ثم (وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ) ومن قبل (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي) وفي أخرى (لَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ) هي عساكر من البراهين على أنه لم يكن يعتقد ما كان يكرره : «هذا ربي» فإنما كان مجاراة في حجاجه بالتي هي أحسن حتى يجرهم إلى ما هو عليه.
ذلك ، وليست الربوبية المنكورة لغير الله ربوبية الخالقية حيث المشركون لا يعتقدون في خالقية ما يشركونه بالله ، فإنما يعتقدونه في
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٠ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3021_alfurqan-fi-tafsir-alquran-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
