ثم إن هذه الطريقة هي أقرب إلى الدعوة والإنصاف في الحجاج ، وأبعد عن الشغب والاعتساف ، وليس كذبا محرما لأنه في مقام الإصلاح والإفصاح عن الحق المرام ، ثم وقصد الاستنكار وإن لم يظهر يخرجه عن الكذب إلى التورية حيث ورّى بصورة الإخبار والقصد هو الاستنكار.
ثم وهذه الأفولات الثلاث كانت براهين على بطلان ثالوث الربوبية للنجم والقمر والشمس بحكم الفطرة الحكيمة الحاكمة في كلّ قليل وجليل.
فلأن الفطرة تحب الكمال المطلق حبا في حقل الربوبية ، ولا تجد مطلوبها في هذه الكائنات ، فليكن مطلوبه خارجا عن عالم الحس والحيطة العقلية.
فإبراهيم المتحري عن ربه في مجالة الحوار ، لمّا لا يجده في كوكب يلمع ولا في قمر يطلع ، ولا في شمس تسطع ، فبأحرى لا يجده فيما دون هذه المشرقات مهما شرّق وغرّب ، فهو واجده في فطرته أنه لا حدّ له ولا أفول ، فليس هو ماله حد وأفول.
وهكذا يلقي إبراهيم عصاه في حران بين عبدة الأصنام عساه يجد آذانا مصغية وعقولا ناضجة غير معقولة بطوع الهوى ، فاختار لرشدهم حجاج التجاوب بين الفطرة والعقل والإحساس ، (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ) وستره ظلامه «رأى» كوكبا «مما كانوا يعبدون ، فجاراهم في زعمهم دون مجابهة علنية ، حاكيا مقالهم «هذا ربي» كأنه صلوات الله عليه منهم (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) أي : ناسيا للميثاق طريق في الحوار طريف حكيم ، ومنهج في الحجاج قويم ، وهذه أدعى إلى إنصاتهم لمقالته فإنها مقالتهم ، ثم كرّ على المقالة من طريق خفي ينبئ عن سداد رأيه ونفاذ بصيرته ، فلما أفل هذا الكوكب تحت الأفق فتفقّده فلم يجده ، وبحث عنه فلم يره قال (لا
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٠ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3021_alfurqan-fi-tafsir-alquran-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
