(تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا) في نكران الإيمان بأي معنى كان ممن ألقى إليكم السّلام ، ولا يختص ذلك الابتغاء البغي محظورة هذه القولة بنفسه ، فإنما هو أنحس دركات الباعث لهذه القولة ، ومنها كأخفها عدم الاطمئنان بصدقه ، وحتى إن كان عالم ذلك الكذب ولكنه يعامل بما يقول كما قال الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنما كان يعبر بلسانه»! ثم وحين تبتغون عرض الحياة الدنيا (فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ) في الأولى والأخرى ، وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون.
ومن ثم (كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) : كذلك البعيد البعيد الذي أنتم عاملون الآن ابتغاء الحياة الدنيا في جاهليتكم القريبة الغريبة من تسرّع ورعونة في الغنيمة (فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ) ابتغاء رضوان الله في حرب وسواها.
و «كذلك» الذي تجدونه ممن ألقى إليكم السّلام (كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) ـ ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم (فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ) أن تقبّل منكم هذا الإسلام الخاوي عن الإيمان ، بل وإسلام النفاق حيث أجرى فيه بمظاهر الإسلام ظواهر أحكام الإسلام.
و (كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) تخفون إسلامكم عمن تعاشرونهم من الكفار طيلة العهد المكي (١) ، فلعل الذي ألقى إليكم السّلام كان مسلما من ذي قبل
__________________
ـ محلم بن جثامة لشيء كان بينه وبينه فقتله وأخذ بعيره ومتاعه فلما قدمنا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا ..) وفيه عن أبي حدرد الأسلمي نحوه بزيادة : فقال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أقتلته بعد ما قال آمنت بالله؟ فنزل القرآن.
(١) الدر المنثور عن ابن عباس قال بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سرية فيها المقداد بن الأسود فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير لم يبرح فقال : أشهد أن لا إله إلا ـ
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنة [ ج ٧ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3017_alfurqan-fi-tafsir-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
