ثم هدد الله تعالى على ظهور الفساد بالعقاب كعقاب الأمم السابقة ، فقال : (قُلْ : سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ) أي قل أيها الرسول للمفسدين والمشركين : سيروا في البلاد ، وتأملوا بمصير من قبلكم ، وكيف أهلك الله الأمم المتقدمة ، وأذاقهم سوء العذاب بسبب كفرهم وسوء أعمالهم ، وانظروا ما حلّ بهم من تكذيب الرسل وكفران النعم ، وأن الهلاك في الأكثر كان بسبب الشرك الظاهر ، وكان أيضا بغير الشرك كالإهلاك بالفسق والمخالفة ، كما فعل بأصحاب السبت (الْيَهُودُ).
قال في الكشاف : دل بقوله : (كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ) على أن الشرك وحده لم يكن سبب تدميرهم ، وأن ما دونه من المعاصي يكون سببا لذلك (١).
فسبب عذابهم في الغالب هو كفرهم بآيات ربهم وتكذيبهم رسله ، وهو تعليل لما سبق ، فهو دليل على تعليل الأحكام ، وعلى التزام ظاهرة العدل في العقاب الإلهي.
وبعد بيان ظاهرة الشرك والانحراف والفساد وبيان عاقبتها ، وبعد نهي الكافر عما هو عليه ، ذكر تعالى ما يقابلها من حال الاستقامة ، وأمر المؤمن بما هو عليه ، فقال :
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) أي بادر أيها الرسول ومن تبعك من المؤمنين إلى الاستقامة في طاعة الله ، وبادر إلى الخيرات ، ووجه نفسك كلها وبإخلاص للعمل بالدين المستقيم ، البليغ الاستقامة ، وهو دين الإسلام من قبل مجيء يوم القيامة الذي لا رادّ له ولا مانع منه ، فلا بد من وقوعه ؛ لأن الله كتب مجيئه وقدّره ، وما قدّره وأراد حدوثه فلا راد له ولا بد أن يكون.
__________________
(١) الكشاف ٢ / ٥١١
![التفسير المنير [ ج ٢١ ] التفسير المنير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2966_altafsir-almunir-21%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
