وبعد الاعتراف بالخلق ، ذكر تعالى ما هو سبب لدوام الحياة ، وبقاء المخلوقات وهو الرزق ، فقال :
(اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ، إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي إن الله يوسع الرزق لمن يريد من عباده امتحانا له ، ويضيق أو يقتّر على من يريد ابتلاء واختبارا ، فالله هو الخالق الرازق لعباده ، يقسم وحده الأرزاق على وفق الحكمة ومقتضى المصلحة ، لأن الله عليم بكل شيء من المفاسد والمصالح ، ومقتضيات سعة الرزق وتضييقه ، فيمنح ويمنع ، بما هو الأصلح وما هو خير لعباده في الحالين ، ويحصل التفاوت بين الناس في الأرزاق ، ويكون هناك الغني والفقير ، والله هو العليم بما يصلح كلّا منهم ، ومن يستحق الغنى ممن يستحق الفقر ، كما قال سبحانه : (إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات ٥١ / ٥٨] وقال تعالى : (وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ ، لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ ، إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) [الشورى ٤٢ / ٢٧].
ثم ذكر تعالى سبب الرزق وهو إنزال الماء ، فقال :
(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ، فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها ، لَيَقُولُنَّ : اللهُ) أي ومن الحقائق الثابتة أنك لو سألتهم أيضا عمن ينزل المطر من السحاب ، فيحيي به الأرض الجدباء الهامدة التي لا حركة فيها بالنبات الأخضر ، لأجابوك بأنه هو الله المبدع الموجد لكل المخلوقات ، ثم يتعجب الإنسان من إشراكهم بعد ذلك بعض مخلوقاته.
(قُلِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) أي قل يا محمد : الحمد لله على ثبوت الحجة عليهم ، واعترافهم بأن الله مصدر جميع النعم ، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعقلون هذا التناقض الحاصل منهم ، فتراهم يقولون بأن الخالق الموجد المحيي الرازق هو الله ، ثم يقولون بألوهية غير الله ، فيخالف فعلهم أقوالهم
![التفسير المنير [ ج ٢١ ] التفسير المنير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2966_altafsir-almunir-21%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
