يتبرّز فرقا (خوفا) ما هذا إلا وعد غرور (١). وأما مريض الاعتقاد فتحدث بما توسوس به نفسه لضعف إيمانه ، وشدة ما هو فيه من ضيق الحال.
(وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ : يا أَهْلَ يَثْرِبَ ، لا مُقامَ لَكُمْ ، فَارْجِعُوا) أي واذكروا أيضا حين قالت طائفة من المنافقين ، وهم أوس بن قيظي ومن وافقه على رأيه ، أو عبد الله بن أبيّ وأصحابه : يا أهل المدينة ، لا وجه لإقامتكم مع محمد وعسكره ، ولا مسوغ لها مع هذه الحال من الذل والهوان ، ولا قرار لكم هاهنا ولا مكان تقيمون فيه ، فارجعوا إلى بيوتكم ومنازلكم في المدينة ، لتسلموا من القتل والفناء. ويثرب : اسم للبقعة التي هي المدينة أو طيبة أو طابة. والطائفة : تطلق على الواحد فأكثر.
(وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ : إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ ، وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ ، إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً) أي وبسبب إشاعة الفتنة وبثّ روح الضعف عزم جماعة من المنافقين على الرجوع وهم بنو حارثة بن الحارث ، وطلبوا الإذن من النبي صلىاللهعليهوسلم في العودة إلى بيوتهم وترك القتال قائلين : إن بيوتنا سائبة ضائعة ليست بحصينة ، أي فيها خلل يخاف منه دخول العدو والسارق ليأخذ المتاع ويفزع النساء والأولاد ، فكذبهم الله بقوله : (وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ) أي ليس فيها خلل أو ثغرة ، بل هي حصينة وليست كما يزعمون ، وإنما قصدهم الفرار بسبب الخوف ، والهرب من الزحف مع جيش المؤمنين الصادقين.
ثم بيّن الله تعالى مدى ضعف الإيمان ورقّته في قلوبهم وأن ذلك الفرار ليس لحفظ البيوت ، فقال :
(وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ، ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها ، وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً) أي ولو دخل الأعداء عليهم من كل جانب من جوانب المدينة ، أو
__________________
(١) الكشاف : ٢ / ٥٣٣ ، البحر المحيط : ٧ / ٢١٧
![التفسير المنير [ ج ٢١ ] التفسير المنير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2966_altafsir-almunir-21%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
