البيوت ، ثم طلب منهم الردة والعودة صراحة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين ، لجاؤوها أو لأعطوها من أنفسهم ولفعلوا ذلك سريعا ، ولم يحافظوا على الإيمان ولم يستمسكوا به ، وما مكثوا في استجابتهم وعطائهم ما طلب منهم إلا زمنا يسيرا من أدنى خوف وفزع ، وهو مقدار ما يكون السؤال والجواب من غير توقف. أو ما تلبثوا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلا حتى يهلكوا.
وهذا دليل واضح على ضعف الإيمان في نفوسهم ، فلا عجب إذا بادروا إلى التراجع والتسلل من المعركة. وهذه سمة المترددين الجبناء الذين اعتادوا على الهرب من مواقف الصمود ولقاء الشجعان ، لذا قال تعالى :
(وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ ، وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً) أي ولقد كان هؤلاء وهم بنو حارثة عاهدوا الله يوم أحد من قبل هذا الخوف ألا يولوا الأدبار ، ولا يفرون من الزحف ، ثم تابوا وعاهدوا الله ألا يعودوا لمثل ذلك. ثم هددهم تعالى وأوعدهم بقوله: (وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً) أي إن الله سيسألهم عن ذلك العهد والوفاء به يوم القيامة ، ويجازيهم على نقضه وخيانة رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وذلك أمر لا بدّ منه. وقوله : (مَسْؤُلاً) معناه: مطلوبا مقتضى حتى يوفى به.
ثم بيّن الله تعالى لهم عدم جدوى فعلهم ، ووبخهم ، فقال :
(قُلْ : لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ ، وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً) أي أخبرهم أيها الرسول أن فرارهم ذلك لا يؤخر آجالهم ، ولا يطوّل أعمارهم ، فلن ينفعهم الهرب من لقاء الموت أو القتل في ميدان المعركة ، فإن المقدّر كائن لا محالة ، وربما كان فرارهم سببا في تعجيل أخذهم غرّة ، وإذا ظلوا أحياء ونفعهم الفرار ونجوا من الموت كما يظنون ، لم يكن تمتعهم بالتأخير بمتاع الدنيا بعد هربهم وفرارهم إلا تمتيعا قليلا أو زمانا يسيرا : (قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا
![التفسير المنير [ ج ٢١ ] التفسير المنير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2966_altafsir-almunir-21%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
