أيّام لا يهدء لها
أنين ، ولا يسكن منها الحنين ، وكلّ يوم جاء بكاؤها أكثر من اليوم الأوّل ، فلمّا
كان في اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن الكامن ، فلم تطق صبراً إذ خرجت وصرخت
فكأنّها من فم رسول الله صلىاللهعليهوآله
نطقت ، فتبادرت النسوان ، وخرجت الولائد والولدان ، وضجّ الناس بالبكاء والنحيب ، وجاء
النّاس من كلّ مكان ، وأطفئت المصابيح لكيلا تتبيّن صفحات وجوه النساء ، وخيّل إلى
الناس أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله
قد قام من قبره وصارت الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم ، وهي تنادي وتندب أباها :
« وا أبتاه
، وا ضيعتها ، وا محمّداه ، وا أبا القاسماه ، يا ربيع الأرامل واليتاما ، مَن
للقبلة والمصلّى ؟ ومن لابنتك الواهلة الثكلى »
؟
ثم أقبلت تعثر في أذيالها ، وهي لا تبصر
شيئاً من عبرتها ، وتواتر دمعتها ، حتّى دنت من قبر أبيها ، فلمّا نظرت إلى الحجرة
الطاهرة ، ووقع طرفها على المأذنة ، قصّرت خطاها ، ودام نحيبها وبكاها ، إلى أن
أغمي عليها ، فتبادرت النسوة إليها ، فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها ، حتّى
أفاقت من غشاها ، عادت إلى نحيبها وبكاها وهي تقول :