والمرجح أن ذلك قد تم انطلاقا من الفرات. ولا شك أن السواقي أقيمت في عصر متأخر خلال حكم الأمويين ، وهو تأخير له مغزاه أيضا ويطفح بالغفلة وقلة الوعي. وقد تحدثت عن مثل هذا المصادر بخصوص العصر الأول في بغداد. لقد وجب تذكير المنصور بضرورة إمداد المدينة بالماء بصورة منتظمة (١). ولعل كثرة الماء المستساغ هنا وهناك ، في الكوفة كما في بغداد ، قد أغنى عن التفكير في الأمر ، خلافا للوضع الذي ساد البصرة (٢). الواقع لا محالة أن الهدف الرئيسي للحصار الذي ضربه مصعب على المختار ، يتمثل في القضاء على كل مقاومة تصدر عن المختار ، فعمل على تعطيشه.
هناك شهادات ملموسة عجيبة في قوتها وتلونها ؛ لقد وزّع مصعب رجاله على النقط الاستراتيجية في الكوفة لقطع «الماء والغذاء» عن المحاصرين في القصر. إنه حصار مدينة عزلاء بلا أسوار ، وقد تم في بادىء الأمر حصار القصر عن بعد ، أي في السبخة وجبانة السبيع أو الصائديين حسب المصادر ، وفي الكناسة وفي جبانة كندة (٣) : «ولربما رأيت خيل عبيد الله (ابن الحر) قد أخذت السقاء والسقائين فيضربون ، وإنما كانوا يأتونهم بالماء إنهم كانوا يعطونهم بالراوية الدينار والدينارين لما أصابهم من الجهد ، وكان المختار ربما خرج هو وأصحابه فقاتلوا قتالا ضعيفا ، ولا نكاية لهم ، وكانت لا تخرج له خيل إلا رميت بالحجارة من فوق البيوت ويصب عليهم الماء القذر. واجترأ عليهم الناس ، فكانت معايشهم أفضلها من نسائهم فكانت المرأة تخرج من منزلها معها الطعام واللطف والماء ، قد التحفت عليه ، فتخرج كأنما تريد المسجد الأعظم للصلاة ، وكأنها تأتي أهلها وتزور ذات قرابة لها ، فإذا دنت من القصر فتح لها فدخلت على زوجها وحميمها بطعامه وشرابه ولطفه ، وإن ذلك بلغ لمصعب وأصحابه ، فقال له المهلب وكان مجربا : اجعل عليهم دروبا حتى تمنع من يأتيهم من أهليتهم وأبنائهم ، وتدعهم في حصنهم حتى يموتوا فيه» (٤). وكان القوم إذا اشتد عليهم العطش في قصرهم استقوا من ماء البئر. ثم أمر لهم المختار بعسل فصب فيه ليغيّر طعمه فيشربوا منه ، فكان ذلك أيضا مما يروي أكثرهم (٥).
إنه نص من نوع المنتخبات الأدبية يتضمن عالما قائما بذاته تلتقطه أبصارنا ، عالم المرأة الاجتماعي والبشري. وهو لا يختلف كثيرا عن العصور القريبة منا. كانت النسوة مقنعات
__________________
(١) الخطيب في كتاب Lassner ، ص ٥٨.
(٢) Massignon,» Explication du plan de Basra «, Opera Minora, III, p. ٢٦ ـ ٤٦. ؛ كذلك أشار شارل بيلا إلى مشكلة الماء في أطروحته :.Ch.Pellat ,art.» Basra «,E.I. / ٢
(٣) الطبري ، ج ٦ ، ص ١٠٤ ـ ١٠٥.
(٤) وقال البلاذري أن الأمر وقع : أنساب الأشراف ، ج ٥ ، ص ٢٦١.
(٥) الطبري ، ج ٦ ، ص ١٠٥.
