قالوا : فنكون لهم عبيدا أبدا؟.
قال : نعم ، أن تكونوا عبيدا منبسطين (١) فى بلادكم ، آمنين على أنفسكم وأموالكم وذراريكم ، خير لكم من أن تموتوا من آخركم ، أو تكونوا عبيدا تباعون وتمزقون فى البلاد مستعبدين أبدا أنتم وأهلكم وذراريكم.
قالوا : فالموت أهون علينا ، وأمروا بقطع الجسر من الفسطاط والجزيرة ، وبالقصر من القبط والروم جمع كثير.
فألح المسلمون عند ذلك بالقتال على من فى القصر ، حتى ظفروا بهم وأمكن الله منهم ، فقتل منهم خلق كثير ، وأسر من أسر ، وانحازت السفن كلها إلى الجزيرة ، وصار المسلمون قد أحدق بهم الماء من كل جهة لا يقدرون على أن يتقدموا نحو الصعيد ولا إلى غير ذلك من المدائن والقرى ، والمقوقس يقول لأصحابه : ألم أعلمكم هذا وأخفه عليكم؟ ما تنتظرون ، فو الله لتجيبن إلى ما أرادوا طوعا أو لتجيبنهم إلى ما هو أعظم كرها ، فأطيعونى من قبل أن تندموا.
فلما رأوا منهم ما رأوا ، وقال لهم المقوقس ما قال ، أذعنوا بالجزية ، ورضوا بها على صلح يكون بينهم يعرفونه.
فأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص : أنى لم أزل حريصا على إجابتك إلى خصلة من الخصال التي أرسلت إلىّ بها فأبى ذلك علىّ من حضرنى من الروم والقبط ، فلم يكن لى أن أفتات عليهم فى أموالهم ، وقد عرفوا نصحى لهم وحبى صلاحهم فرجعوا إلى قولى ، فأعطنى أمانا أجتمع أنا وأنت ، أنا فى نفر من أصحابى ، وأنت فى نفر من أصحابك ، فإن استقام الأمر بيننا تم ذلك لنا جميعا ، وإن لم يتم رجعنا إلى ما كنا عليه.
فاستشار عمرو أصحابه فى ذلك ، فقالوا : لا نجيبهم إلى شيء من الصلح ولا الجزية حتى يفتح الله علينا ، وتصير كلها لنا فيئا وغنيمة كما صار لنا القصر وما فيه.
فقال عمرو : قد علمتم ما عهد إلىّ أمير المؤمنين فى عهده ، فإن أجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التي عهد إلىّ فيها أجبتم إليها وقبلت منهم ، مع ما قد حال هذا الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم.
فاجتمعوا على عهد بينهم ، واصطلحوا على أن يفرض على جميع من بمصر أعلاها
__________________
(١) فى ابن عبد الحكم : مسلطين.
![الإكتفا [ ج ٢ ] الإكتفا](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2526_alektefa-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
