أن الفتنة وقعت وما رجل من قريش له نباهة أعمامها من عمرو بن العاص ، قال : وما زال معتصما بمكة ليس في شيء مما فيه الناس حتى كانت وقعة الجمل ، فلما حانت وقعة الجمل بعث إلى ابنيه : عبد الله ومحمّد ابني عمرو فقال لهما : إنّي قد رأيت رأيا ولستما باللذين تردّاني ، ولكن أشيرا علي ، إنّي رأيت العرب صاروا غارين يضطربان ، وأنا طارح نفسي بين جزّاري مكة ، ولست أرضى بهذه المنزلة ، فإلى أي الفريقين أعمد؟ فقال له عبد الله ابنه : إن كنت لا بدّ فاعلا فإلى عليّ ، فقال له عمرو : ثكلتك (١) أمك إنّي إن أتيت عليا قال لي إنّما أنت رجل من المسلمين ، وإن أتيت معاوية يخلطني بنفسه ويشركني في أمره ، فأتى معاوية.
قال : ونا إبراهيم بن الحسين ، نا يحيى بن سليمان ، نا إبراهيم بن الجرّاح ، قال : ثم رجع إلى حديث أبي يوسف عن محمّد بن إسحاق ، عن عبد الله بن عروة بن الزبير ، عن أبيه أو عن غيره قال :
لما بلغ عمرو بن العاص بيعة الناس عليا دعا ابنيه عبد الله ومحمّد ، واستشارهما :
فقال له عبد الله بن عمرو : صحبت رسول الله صلىاللهعليهوسلم وتوفي وهو عنك راض ، وصحبت أبا بكر وعمر ، فتوفيا وهما عنك راضيان ، ثم صحبت عثمان فقتل وهو عنك راض ، فأرى أن تلزم بيتك ، فهو أسلم لدينك.
فقال له محمّد (٢) : أنت شريف من أشراف العرب وناب من أنيابها ، لا أرى أن تختلف العرب في جسيم أمورها لا يرى مكانك.
قال : فقال لعبد الله : أما أنت فأشرت عليّ ما هو خير لي في آخرتي ، وأما أنت يا محمّد فأشرت عليّ بما هو أنبه لذكري ، ارتحلا ، فارتحلا إلى معاوية ، فأتى رجلا قد عاد المرضى ومشى بين الأعراض يقص على أهل الشام غدوة وعشية يا أهل الشام : إنكم على خير وإلى خير ، تطلبون بدم خليفة قتل مظلوما ، فمن عاش منكم فإلى خير ، ومن مات منكم فإلى خير ، فقال عبد الله بن عمرو : ما أرى الرجل إلّا قد انقطع بالأمر دونك ، فقال له : دعني وإيّاه ، ثم إنّ عمرا قال لمعاوية ذات يوم : يا معاوية أحرقت كبدي بقصصك ، أترى إذا
__________________
(١) الأصل : تظنك ، ورسمها غير واضح وبدون إعجام في م ، والمثبت عن المختصر.
(٢) بالأصل وم : محمدا.
![تاريخ مدينة دمشق [ ج ٤٦ ] تاريخ مدينة دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2377_tarikh-madina-damishq-46%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
