وترهيب ، يا أيها الذام للدنيا ، المعتلّ بتغريرها متى استذمّت (١) إليك؟ أم متى غرتك؟ أبمضاجع آبائك من الثرى؟ أو بمنازل أمهاتك من البلى؟ أم ببواكر الصريح من إخوانك؟ أم بطوارق النعي من أحبابك؟ هل رأيت إلّا ناعيا منعيا؟ أو رأيت إلّا وارثا موروثا؟ كم عللت بكفيك (٢) أم كم مرضت بكفيك؟ تبتغي له الشفاء وتستوصف له الأطباء ، لم ينفعه بشفاعتك ولم ينجح له بطلبتك. بل مثلت لك به الدنيا نفسك ، وبمضجعه مضجعك ، غداة (٣) لا يغني عنك بكاؤك ولا ينفعك أحباؤك ، فهيهات أم مواعظ الدنيا لو نصت لها؟ وأي دار لو فهمت لها عنها ، وأي عاقبة (٤) لمن تزود منها.
انصرف إذا شئت.
أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم ، أنا رشأ بن نظيف ، نا الحسن بن إسماعيل ، نا أحمد بن مروان ، نا أبو قبيصة ، نا سعيد الجرمي ، عن عبد الله بن صالح العجلي ، عن أبيه قال :
خطب علي بن أبي طالب يوما ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلىاللهعليهوسلم ، ثم قال (٥) :
عباد الله ، لا تغرنكم الحياة الدنيا ، فإنها دار بالبلاء محفوفة ، وبالفناء معروفة ، وبالغدر موصوفة ، وكلّ ما فيها إلى زوال ، وهي بين أهلها دول وسجال ، لن يسلم من شرّها نزّالها بينا أهلها في رجاء وسرور إذ هم منها في بلاء وغرور ، العيش فيها مذموم ، والرخاء فيها لا يدوم ، وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ، ترميهم بسهامها وتقضمهم بحمامها.
عباد الله إنكم وما أنتم من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم أعمارا ، وأشد منكم بطشا ، وأعمر ديارا ، وأبعد آثارا ، فأصبحت أصواتهم هامدة خامدة من بعد طول تقلّبها ، وأجسادهم بالية وديارهم خالية ، وآثارهم عافية ، واستبدلوا بالقصور المشيدة ، والسرر (٦) والنمارق الممهدة. الصخور والأحجار المسندة ، في القبور اللاطئة
__________________
(١) في تاريخ بغداد : المقبل بتغريرها ، متى استدنت إليك.
(٢) كذا بالأصل والمطبوعة ، وفي تاريخ بغداد : عللت بيديك.
(٣) الأصل : «غدا» والمثبت عن تاريخ بغداد.
(٤) في تاريخ بغداد : وأي عافية لو تزودت منها.
(٥) راجع نهج البلاغة خطب الإمام علي رضياللهعنه «الخطبة ٢٢٦» في التنفير من الدنيا.
(٦) بالأصل : والسرور.
![تاريخ مدينة دمشق [ ج ٤٢ ] تاريخ مدينة دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2352_tarikh-madina-damishq-42%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
