ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق ، وحقّ لميزان أن يثقل لا يكون فيه إلّا الحق ، وإنّما خفّت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة باتّباعهم الباطل ، وحقّ لميزان أن يخفّ لا يكون فيه إلّا الباطل ، إنّ أول من أحذرك نفسك وأحذرك الناس ، فإنهم قد طمحت أبصارهم وانفتحت (١) أجوافهم ، وانّ لهم لخيرة (٢) عن زلّة تكون ، فإيّاك أن تكونه فإنّهم لن يزالوا خائفين لك ، فرقين منك ، ما خفت من الله وفرقته ، وهذه وصيتي ، وأقرأ عليك السلام.
قال القاضي : لقد أحسن الصدّيق رضوان الله عليه الوصية ، ومحض النصيحة ، وبالغ في الاجتهاد للأمة وأنذر بما هو كائن بعده ، فوجد على ما قال ، وحذر بما يوتغ (٣) الدين ويقدح في سياسة أمر المسلمين بأوجز قول ، وأفصحه ، وأحسن بيان وأوضحه ، وأوصى لعمر [وكان و](٤) الله كافيا أمينا شحيحا على دينه ، ضنينا فصدّق ظنه به ، وتحقق تأميله وتقديره فيه ، فانقادت الأمور إليه ، واستقامت أحوال الأمة على يديه ، وعدّل الشدة واللين في رعاياه وعدل في أحكامه وقضاياه ، والله يشكر له سن سيرته ، ويجزل ثوابه على العدل في بريّته ، إنه ولي المؤمنين ومفيض إحسانه على المحسنين.
فإن قال لنا قائل : فما وجه وصف أبي بكر نفسه في هذا الخبر بأنّه الصدّيق ، وكيف استخار (٥) الخلاف هذا النعت على نفسه ، وفيه تزكية ، وتعظيم [لا يصف](٦) الألباء بهما أنفسهم وإن كانت ثابتة فيهم ، وكان يصفوا بهم إليهم ، وينيبون بها عليهم (٧) قيل له : في هذا وجهان : أحدهما : أن يكون الكاتب أثبته من قبل نفسه ، ولم يكن من أبي بكر رضياللهعنه ذكر له ، كما كمل (٨) الممل شيئا على غيره فيجري فيه ذكره فيصله
__________________
(١) في م : «وانتفخت» وفي الجليس الصالح : وانتفجت.
(٢) كذا بالأصل ، وفي م : «لحبرة» وفي الجليس الصالح : لحيزة.
(٣) بالأصل : «توقع» ومهملة بدون نقط في م ، والمثبت عن الجليس الصالح.
(٤) ما بين معكوفتين سقط من الأصل وم ، وأضيف عن الجليس الصالح.
(٥) كذا بالأصل ، وفي م : «استجار الحلاق» وفي الجليس الصالح : استجار إطلاق هذا النعت.
(٦) ما بين معكوفتين سقط من الأصل وم ، وأضيف عن الجليس الصالح ، واللفظتان استدركتا فيه ضمن معكوفتين.
(٧) في الجليس الصالح : وكان الناس يضيفونها إليهم ويثنون بها عليهم.
(٨) الأصل وم ، وفي الجليس الصالح : يملّ.
![تاريخ مدينة دمشق [ ج ٣٠ ] تاريخ مدينة دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2295_tarikh-madina-damishq-30%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
