ولما كان السكان المحليون يألفون الماء منذ شبابهم ، فقد باتوا خبراء في الغوص. أما المسافة التي في وسعهم قطعها سباحة والزمن الذي يستغرقونه في الغوص فيبدو أمرا لا يصدق وسط الأوروبيين. وثمة حالات مشهود لها عن أفراد قاموا بالسباحة مسافة سبعة أميال دون استراحة.
في سنة (١٨٢٧) كنا نتجول في سفينة تدعى (تيرنيت) قرب شواطئ اللؤلؤ. ولما كان البحر هادئا والسفينة تمخر عباب البحر باتجاه التيار ، كان عدد من الضباط والجنود يطلون من فوق جانبها وينظرون إلى رباننا العربي الذي كان يسلي نفسه بالغوص بحثا عن المحار. وبعد محاولات عدة ، أخفق في البحث ، وقال : «أما الآن ، وبعد أن أصبحت عاجزا عن جمع المحار ، فسوف أغوص لصيد السمك». وهنا سخر الجميع من الفكرة ، إلا أنه غاص ثانية ، ولدهشتنا جميعا وجدناه يخرج إلى سطح الماء بعد فترة وجيزة ممسكا بسمكة في كل يد. وفسّر لنا ذلك بقوله أنه بينما جلس في قاع البحر ، تقدمت منه سمكة وبدأت تقضم بشرته برفق. وانتهز أول فرصة مؤاتية وامسك بالضحية بأن دفع إبهامه وسبابته في خياشيمها المنتفخة.
الثلاثاء ، الثامن والعشرون من مارس / آذار : وصلت إليّ في هذا الصباح أخبار تقدم (سعد بن مطلق) إلى (بدية) ، تلك المنطقة التي أتيت على وصفها سابقا ، وبذلك قضت على كل الآمال في إمكانية وصولي إلى (الدرعية) بمساعدته. وفي نفس الوقت علمت بأن الإمام قد أرسل الرسل الذين اتجهوا إلى (عبري) لأنهم لم يجدوا لنا أثرا في (البريمي) كما كان متوقعا.
وبعد أن أصبح الآن ضروريا وجوب أن أتخلى عن كل مقاصدي في التقدم أكثر داخل البلاد ، فقد وطدت العزم على قضاء الأيام القليلة القادمة من هذا الموسم اللطيف على
__________________
ـ فالليالي قصيرة ، ولهذا لا تستطيع الأرض أو البحر تبريدها في وقت قصير. وحتى عند ما تكون الشمس في الأفق فإنها تبعث على الدفء الذي لا يطاق. ويذكر البحارة أن الشمس تشرق وتبدو قرصا أحمر شديد الحرارة وبعد مرور بضع دقائق ترفع شدة أشعتها المحرار عشر درجات فهر نهايت. ومنذ هذا الوقت وحتى الساعة الحادية عشرة قبيل منتصف الظهر ، عند هبوب نسيم البحر ، تكاد الحرارة لا تطاق. وتحت مظلات مزدوجة ، يضطجع البحارة معصوبي الرأس بقطع من قماش مبلل ، فوق ظهر السفن ، أو يستلقون فوق الحافة العليا من جنب المركب ، يتطلعون إلى أول النسمات القادمة ، ويلهثون من شدة الحر. وبلا أي جهد يبذلونه ، ترى العرق يتصبب من كل مسامة. أما الماء فإنه يزيد من الظمأ بدلا من أن يرويه ، أما الجلد فيصاب بحالة من التهيج لا ينفع فيه ارتداء أي ثياب ، وأي حركة يرافقها ألم عظيم لأنها تسبب تشقق الجلد.
