يتيسر من يفتح ، ما تم هذا الخاطر إلا وقد فتح هو الباب ، وليس على رأسه عمامة ، ثم قال : ادخل يا أستاذ ـ وكان دائما يخاطبني بذلك ـ فدخلت وقبلت يده ، ثم رجع معي وأعطاني خمسة عشر دينارا ، ودعا لي بدعوات مناسبة في أمر الرزق ، ثم في أثناء السنة احتجت لشراء خادمة تؤنس الوالدة وتخدمها ، فعرضت علي خادمة ، واحتجت في ثمنها لعشرة دنانير ، فعزمت في سري على اقتراضها ، ثم جئت للدرس عند الشيخ على العادة ، فلما انصرفت ، وانصرف الجماعة ، أعطاني صرة فيها عشرة بدون زيادة ، وقال : إن صلحت ادفعها في ثمنها ، وإلا انتفع بها ، فاتفق أن بائعها ندم ، وسأل الإقالة ، ففعلت ، وانتفعت بالثمن. ومن ذلك أنني أضمرت في نفسي تيسير قراءتي على الشيخ في خلوته منفردا حتى لا يزاحمني من يغير في الفهم ، ونحو ذلك ، فما رأيت أسرع من وقوع ذلك ، ولما تنبه بعضهم لذلك ، وصار يحضر منعه ، وصار يقفل الباب ، بل إن طرقه طارق لذلك يصرح بمنعه ، وكان إذا التمس منه الدعاء لمريض يجيبهم تارة بالدعاء للسائل وللمريض ، وتارة للسائل من غير تعرض للمريض ، فقل أن يعيش المريض في الثاني ، والتمس مني الشرواني ـ وقد زاره في رجوعه لمصر ـ أن يدعو له ، ففعلت ذلك بعد رجوع الشيخ ، فقال لي : يا أستاذ ، والله ما سافر إلا وهو في الترسيم ، فكان كذلك ، مات بعد أيام من وصوله لمصر ، بل اتفق أن الأميني والأقصرائي ، الفريد في مجموعه علما وخيرا ، لما حج ، ومعه ابنه ، وابتدأ بالزيارة النبوية ، ثم توجه لمكة ، وما انفصل الابن عنها إلا وهو متوعك ، فلما عدت مع الركب أعلمت شيخنا بذلك ، فقال : اللهم أرح منه ، والله إنه ما يصل لمصر إلا وهو مفتت ، فكان كذلك ، ما وصل إلى الينبع إلا ميتا ، ثم بعد نقل لمصر ، فلم يصل إلا مفتتا ، مع أن شيخنا ما سمعه يدعو على أحد ومنه : أنه أشيع بمجيء الأشرف قايتباي للحج في سنة وفاة الشيخ ، فقال الشيخ : إنه لا يجيء فيها ، ولكن في التي بعدها ، وتكون سنة خضراء ، فكان كذلك حسا ومعنى ، فإنه تصدق بمال كثير ، وبعث إلى السيد بمائة ، ومات الشيخ بعد أن توعك قليلا بالحمى بعد عصر يوم الجمعة تاسع رمضان سنة ثلاث وثمانمائة ، وصلي على صبح يوم السبت بالروضة ، ثم دفن بالبقيع بالقرب من قبر الإمام مالك ـ رحمهالله ـ وكان له مشهد حافل جدا ، وتأسف الناس ، خصوصا أهل المدينة على فقده ، وقبره ظاهر يزار رحمهالله وإيانا ، ونفعنا ببركاته ، ومما سمعته من نظمه :
|
المنجيات السبع منها الواقعة |
|
وقبلها يس تلك الجامعة |
|
والخمس الانشراح والدخان |
|
والملك والبروج والإنسان |
وقد وافقه في اسمه واسم أبيه ونسبته آخر ، ترجمه شيخنا في سنة خمس وثلاثين وثمانمائة من أنبائه.
![التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة [ ج ١ ] التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2247_altuhfat-allatifah-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
