رحمهماالله ، وهما من أمهات اللغة على التحقيق ، وما عداهما بالنسبة إليهما ثنيات الطريق. غير أن لكلا منهما مطلب عسر المهلك ، ومنهل وعر المسلك ؛ وكأن واضعه شرع للناس موردا عذبا وحلأهم عنه ، وارتاد لهم مربعا ومنعهم منه ، قد أخر وقدم ، وقصد أن يعرب فأعجم ، فرّق الذهن بين الثنائي والمضاعف والمقلوب وبدد الفكر باللفيف والمعتل والرباعي والخماسي فضاع المطلوب ، فأهمل الناس أمرهما ، وانصرفوا عنهما ، وكادت البلاد لعدم الإقبال عليهما أن تخلو منهما ، وليس لذلك سبب إلا سوء الترتيب ، وتخليط التفصيل والتبويب. ورأيت أبا نصر إسماعيل بن حماد الجوهري قد أحسن ترتيب (مختصره) ، وشهره بسهولة وضعه شهرة أبي دلف بين باديه ، ومحتضره ، فخف على الناس أمره فتناولوه ، وقرب عليهم مأخذه فتداولوه وتناقلوه ، غير أنه في جو اللغة كالذرّة ، وفي بحرها كالقطرة ، وإن كان في نحرها كالدرّة. وهو مع ذلك قد صحف وحرف ، وجزف فيما صرّف ، فأتيح له الشيخ أبو محمد بن بري فتتبع ما فيه ، وأملى عليه أماليه ، مخرجا لسقطاته ، مؤرخا لغلطاته ، فاستخرت الله سبحانه وتعالى في جمع هذا الكتاب المبارك ، الذي لا يساهم في سعة فضله ولا يشارك ، ولم أخرج عما في (هذه الأصول) ، ورتبته ترتيب «الصحاح» في الأبواب والفصول. وقصدت توشيحه بجليل الأخبار ، وجميل الآثار ، مضافا إلى ما فيه من آيات القرآن الكريم ، والكلام على معجزات الذكر الحكيم ، ليتحلى بترصيع دررها عقده ، ويكون على مدار الآيات والأخبار والآثار والأمثال والأشعار حله وعقده ؛ فرأيت أبا السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري قد جاء في ذلك بـ «النهاية» ، وجاوز في الجودة حد الغاية ، غير أنه لم يضع الكلمات في محلها ، ولا راعى زائد حروفها من أصلها ، فوضعت كلا منها في مكانه ، وأظهرته مع برهانه».
فهو كما ترى قد صدر كتاب «التهذيب» في أول مصادره الخمسة الرئيسة ، وهي «التهذيب» ، و «المحكم» ، و «الصحاح» ، و «أمالي ابن بري على الصحاح» ، و «نهاية ابن الأثير».
ويقول ابن منظور أيضا في توثيق الأزهري وابن سيده.
«وأنا مع ذلك لا أدعي فيه دعوى فأقول : شافهت أو سمعت. أو فعلت أو صنعت ، أو شددت أو رحلت ، أو نقلت عن العرب العرباء أو حملت ، فكل هذه الدعاوى لم يترك فيها الأزهري وابن سيده لقائل مقالا ، ولم يخليا فيه لأحد مجالا ، فإنهما عنيا في كتابهما عمن رويا ، وبرهنا عما حويا ، ونشرا في خطهما ما طويا ، ولعمري لقد جمعا فأوعيا ، وأتيا بالمقاصد ووفيا».
