وفيه ؛ أنّكم استدللتم لوجوب قصد القربة والامتثال والإخلاص بالأدلّة المذكورة منكم ، وأيّ دليل منها اقتضى وجوب إحضارها عند أوّل فعله؟
وأيّ فرق بين كون الفعل لله وكون الفعل للصلاة ، حتّى تقولوا بأنّ الأوّل يقتضي إحضارها في أوّل الفعل بخلاف الثاني؟ فكون العبادة لأجل أنّه تعالى أمرني وأنّي مطيع ممتثل أمره كيف أوجب الإحضار حال فعلها؟ وكذا وجوب كون العبادة خالصة لله.
وبالجملة ؛ وجوب كون النيّة هي المخطرة بالبال غير لازم مطلقا ، بل اللازم أن تكون العلّة الغائيّة للعبادة هي امتثال أمره لوجوب طاعة ، كما عرفت.
ولا شكّ في أنّ من أعطى الحاجب درهما للتوسّل إلى الإذن ، إنّما يعطي بقصد ذلك قطعا ولا يعطي بغير هذا القصد جزما ، كما في أخذ الاهبة للقاء الأمير ، فإنّه لا يكون إلّا بقصد اللقاء قطعا.
ولو أعطى الحاجب الدرهم ، لا لأجل أن يأذن له ، بل لغرض آخر لم يكن ممتثلا قطعا ، ولا آتيا بما أمره به مولاه جزما ، إذ الامتثال العرفي لا يتحقّق إلّا بقصد ما هو مطلوب الآمر وأنّ ارتكابه هذا لأجل أنّ الآمر أمر لا لشهوة نفسه أو شهوة غير الآمر ، بل ربّما يكون الآتي بما أمر به عاصيا ، مع أنّه أتى بالمطلوب ، مثل ما لو أمر السيّد عبده بإتيان أمر ، وقال آخر : لو أتيت بمطلوب سيّدك لقتلته ، فأتى العبد بذلك المطلوب ، لا لأنّ السيّد طلب ، بل لأنّ السيّد يقتل ، لا شكّ في كونه عاصيا حينئذ ، وإن أتى بما هو مطلوب السيّد.
وكذا لو أتى به لشهوة نفسه ، لا لشهوة السيّد ، كما لو قال المولى لعبده : إذا لقيت الأمير فخذ اهبتك ، فأخذ العبد الاهبة ، لا لأجل لقاء الأمير ، بل لأجل أمر آخر ، لا يكون ممتثلا ومطيعا للمولى فيما أمره به ، سيّما إذا صرّح العبد بأنّي لا آخذ
![مصابيح الظلام [ ج ٣ ] مصابيح الظلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1675_masabih-alzalam-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
