بأنماط متعدّدة من السلوك كان منها ـ ولعلّه أهمّها ـ ضرب القوى العقائدية المعادية للحكم الأموي بعضها ببعض ، وإثارة الرّوح القبلية على نطاق واسع يكفل له انشقاق القبائل بتأثير أحقادها الصغيرة ، ويخلق بينها حالة من التوتّر تجعل من المتعذّر عليها أن تتوحّد ، وأن تنظر إلى الحكم الأموي نظرة موضوعية ، وبذلك فاز معاوية بتفتيت المعارضة بعوامل داخلية تنبع من صميم المعارضة نفسها.
ولم تكن هذه السياسة هي اللون المفضّل عند معاوية بالنسبة إلى سائر القبائل فحسب ، بل كانت بهذه المنزلة عنده بالنسبة إلى أسرته الأموية ذاتها أيضاً ، ففد كان ـ كما يقول ولهاوزن ـ يسعى إلى أن يدخل القطيعة بين مختلف فروع الأسرة الأموية بالمدينة ليقضي بذلك على شوكتهم (١).
وإذا كانت هذه هي خطّته بالنسبة إلى أسرته ذاتها فليس لنا أن نطمع منه بسلوك أنبل بالنسبة إلى سائر القبائل التي كان يخشاها على سلطانه ؛ لأنّ الدوافع المشتركة كانت توحّدها في الوقوف ضدّه.
ولا يجد الباحث صعوبة كبيرة في اكتشاف هذا الخُلق في معاوية ؛ فتأريخه مليء بالشواهد عليه.
فبراعته في استغلال ما لشعراء عصره من تأثير عظيم في الرأي العام من أجل مصالحه الخاصّة جعلته يستغل هؤلاء الشعراء في هذا الميدان ، فيحرّضهم على القول في موضوعات الفخر والهجاء كالذي كان بين القبائل في الجاهليّة (٢).
ومن ذلك موقف شاعره الأخطل من الأنصار ، فقد واصل شعراء الأنصار هجاء معاوية على أساس ديني ، فردّ عليهم الأخطل بهجاء قبلي
__________________
(١) الدولة العربية / ١١٢ نقلاً عن الطبري ، وفي شرح نهج البلاغة ١١ / ١٩ نقلاً عن الجاحظ : «وكان معاوية يحبّ أن يغري بين قريش».
(٢) بروكلمان : تاريخ الشعوب الإسلامية ١ / ١٤٨ ، وأحمد أمين : قصة الأدب في العالم ١ / ٣٧٢.
