أمّا ما يؤيّد المقصد من ولاية الأمر لعليّ عليهالسلام من خارج إطار الحادثة ، فحديث المنزلة الذي قال فيه النبيّ صلىاللهعليهوآله لعليّ عليهالسلام : « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي » (١).
ولا شكّ أنّ المتتبع البسيط لآي القرآن الكريم ، يستطيع أنْ يستخرج منازل هارون من موسى ، والتي تتطابق حسب مفاد الحديث ، مع منزلة عليّ عليهالسلام من رسول الله صلىاللهعليهوآله ، والتي منها الخلافة من بعده ، في قوله تعالى : ( وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) (٢) ، كما أنّ المعاند أيضاً سوف لا يتقيّد بهذا الدليل ، ولسوف ينساق وراء انحراف من انحرف ، بالادّعاء زوراً وبهتاناً بأنّ خلافة عليّ عليهالسلام هي في الأهل فقط دون الأمّة ، ولست أدري من اين جاؤوا بفريتهم تلك حتّى يجزموا بها ، ويعكفوا عليها ، ويؤسسوا بها مذهباً لم يأت بخير أبداً منذ تأسس ، وهل كانت خلافة علي عليهالسلام في أهله تحتاج إلى دلالة أو إشارة أو توضيح ، حتّى نحتمل أنْ يدّعيها غير عليّ عليهالسلام ؟ لذلك فإنّ مقصد النبيّ صلىاللهعليهوآله لم يكن كذلك ; لأنّه قد استفاض فيه من قبل ، وحثّ على الالتزام به ، ورغّب فيه ، وحذّر من تركه ، ولا يحتاج إلى إيقاف الناس في ذلك المكان الوعر ، وفي ذلك الوقت القائظ ، ومن أجل ذلك المطلب الذي تكرّر حديثه فيه ، ويحتمل التأجيل إلى حين رجوعه إلى المدينة.
وفهمت أنّ الحكمة كانت تقتضي أنْ يعين الوحي من يقوم مقام النبيّ صلىاللهعليهوآله ، صوناً للدين وحفظاً لمكونات النظام الإسلامي الجديد ، في وسط ما تزال الأحكام الجاهليّة ، والنعرات القبليّة تلقي بظلالها على أغلب الوافدين على الدين الجديد.
_________________
(١) انظر صحيح البخاري ٤ : ٢٠٨ ، صحيح مسلم ٧ : ١٢٠ ، ١٢١ ، سنن الترمذي ٥ : ٣٠٢ وغيرها.
(٢) الأعراف : ١٤٢.
