وعن رسوله وعن وعيده « لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ » ممن لا يقرون بولاية أمير
______________________________________________________
وبقوله : إنك لمن المرسلين ، على الوجوه الأخر أي أرسلتك إليهم لتنذرهم فإنهم غافلون « لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ » يعني قوله : « لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ » فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، لأنهم ممن علم أنهم لا يؤمنون « إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً » تقرير لتصميمهم على الكفر والطبع على قلوبهم بحيث لا يغني عنهم الآيات والنذر بتمثيلهم بالذين غلت أعناقهم فهي إلى الأذقان ، فالأغلال واصلة إلى أذقانهم فلا يخلهم يطأطئون فهم مقمحون رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم في أنهم لا يلتفتون لفت الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له « وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا » ، الآية وبمن أحاط بهم سدان فغطى أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في أنهم محبوسون في مطمورة الجهالة ، ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل « وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ » أي مستور عليهم إنذارك وعدمه ، والإنذار التخويف أريد به التخويف من عقاب الله ، وإنما اقتصر عليه دون البشارة لأنه أوقع في القلب وأشد تأثيرا في النفس من حيث أن دفع الضر أهم من جلب النفع « لا يُؤْمِنُونَ » جملة مفسرة لإجمال ما قبلها فيما فيه الاستواء ، فلا محل لها ، أو حال مؤكدة أو بدل عنه.
والآية مما احتج به من جوز تكليف ما لا يطاق ، والحق أن التكليف بالممتنع لذاته وإن جاز عقلا لكنه غير واقع للاستقراء ، والإخبار بوقوع الشيء أو عدمه لا ينفي القدرة عليه كإخباره تعالى عما يفعله هو أو العبد باختياره وفائدة الإنذار بعد العلم بأنه لا ينجع (١) إلزام الحجة وحيازة الرسول فضل الإبلاغ ، ولذا قال : « سَواءٌ عَلَيْهِمْ » ولم يقل : سواء عليك.
وفي الآية إخبار بالغيب على ما هو به إن أريد بالموصول أشخاص بأعيانهم فهو من المعجزات.
__________________
(١) أنجع الطعام وغيره : نفع.
![مرآة العقول [ ج ٥ ] مرآة العقول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1018_meratol-oqol-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
