على انه ليس كل فرض والتزام بين طرفين متفاضلين في المنزلة يسمى ديناً في اللغة ، فالقوانين التي تسنها الدولة وتذعن لها الامة لاتسمى ديناً ، والاحكام التي تفرضها الملوك وتطيعها الرعية لا تسمى دينا ، والأوامر التي تصدرها السادة وتمثلها الخدم لاتسمى ديناً. ولذلك فلابد في الدين من عقيدة الربوبية القاهرة في جانب ، والعبودية المقهورة في الجانب الآخر ولابد أن يكون الفرض والالتزام من توابع الربوبية والعبودية المعتقدتين.
ومن المخلوقين من يختلق له رباً فيخلع عليه صفات الالوهية ويضرع اليه بالتقرب ، ويفزع اليه بالاستعانة ، ثم يؤدي له رسوماً من العبادات ويلتزم صنوفاً من العادات ، فتكون له هذه الامور ديناً يدين به ، ويصبح له ذلك الرب المفترى إلهاً يدين له وإن لم يدنه بذلك أحد غير ذاته ، فهو المفترض وهو الملتزم ، والتسمية حقيقية بعد هذا الاختلاق.
أما كلمة ( الاسلام ) فهي أدل على معنى الانقياد والطاعة من لفظ ( الدين ).
الإسلام انقياد المرء بعقله وروحه وقلبه ، وبضميره وارادته وحركته وسكونه ، وبجميع اجزاء بدنه وقوى نفسه لله الذي آتاه هذه المنح وبوَّأه هذه المنزلة انقياداً يلتقي فيه شكر النعمة واداء الحق وتلبية الواجب ، ويتصل فيه خضوع التكوين بطاعة التشريع ، وباطن السر بظاهر العلانية.
واذا كان الإسلام هو الإنقياد لله فاطر السماوات والأرض ، والاطاعة لما وضع من قانون والاتباع لما يسر من سبيل ولما اقام من دليل فانه ـ دون ريب ـ دين كل موجود في هذا الملكوت ، وأي شيء لا يضرع لمكونه ولا يعنو لتدبيره :
