شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ) (١).
وفي هذه الآية الكريمة يلتفت القرآن لفتته الحازمة إلى هذه النزعة المستكنة في أعماق الانسان ، نزعة التعلق بغيب مجهول ، والتوجه إلى قوة مسيطرة عليا يستمد منها التدبير ويسند اليها التقدير.
هذه النزعة القوية التي عصفت بالانسان منذ عصوره القديمة فلم يستطع الا أن يتوجه ، ولم يملك الا ان يستجيب ، وإن قصر به التفكير فلم يحسن الاستجابة وزاغ به الخيال فلم يفلح في التصوير.
قصر به التفكير فكانت استجابتة عبودية عمياء ، وزاغ به التصور فكانت آلهته حجارة صماء.
إلى هذه النزعة القوية الخفية التي قال كثير من علماء النفس وكثير من علماء الاجتماع وكثير من مؤرخي الاديان : إنها غريزة من غرائز النفس ، وقد دللنا على صحة قولهم هذا في بحث سابق.
الى هذه الغريزة المؤمنة يلتفت القرآن في هذه الآية ليدل الانسان على ركيزة الدين من نفسه ، وعلى برهان الربوبية من فطرته !!.
يطلب المشركون من الرسول صلىاللهعليهوآله آية تثبت لهم صدقه في دعوى الرسالة ، فبم يجيبهم الرسول على طلبهم هذا ؟.
وما أعدله طلباً وما أحقهم به لو كانوا يرومون منه تركيز العقيدة وتعزيز الايمان ، وما كان الرسول صلىاللهعليهوآله ليترك الآية التي تثبت لهم صدقه حتى يطلبوها ، فانه ماارسل إلا للبلاغ وإلا لاقامة الحجة ، ولقد أقام لهم من قبل
__________________
١ ـ الأنعام ، الآية ٤١ ـ ٤٠.
