والتدبر الصادق والنظرات العميقة في ظواهره وخوافيه تملأ العقل اقتناعاً بالبرهان ، وتملأ القلب اشراقا بالايمان ، وتملأ النفس شعوراً بالحب وإحساساً بالرحمة واستمساكاً بالاخلاص ، وتوقظ في المرء أحاسيس الخير ومشاعر الانسانية وتصله أولا وآخراً بالله الذي أنطق الأشياء كلها بالدلالة عليه والهمها أن تسبح بحمده وان تسلم وجهها اليه.
كل ماهنا أثر.
أجل كل ماهنا أثر ، وقانون السببية ـ الذي أودع في فطر العقول ، ثم أثبته الاستقراء ، وسار على خطواته العلم ـ يقتاد العقل ليحكم في كل شيء يقف عليه انه أثر له مؤثر ، وتقدير له مقدر.
ولكن هنا جمالاً رائعاً يبدو في كل مجلى من مجالي الكون.
واتقاناً عظيما في كل صنعة من صنائعه.
وحكمة بالغة في كل شيء من أشيائه.
وعناية رحيمة في كل تدبير وفي كل تقدير.
والذوق المرهف والشعور الدقيق والاحساس العميق ، بل والعاطفة الحية المتطلعة ، هذه العدة الوجدانية التي يملكها الانسان هي التي يستطيع أن يتبين بها كل أولئك ويدرك مزاياه ويتعرف حدوده.
وقد لفت القرآن نظرة المرء الى كل أولئك ، وحثه أن يستشف معاني الجمال فيما يرى ، وان يستجلي فيه دقائق الحكمة وينظر آثار الرحمة ، واقرأ اذا شئت هذه الآيات الكريمة :
(
أَفَلَمْ
يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا
لَهَا مِن
فُرُوجٍ
* وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا
رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ
