والجواب : أنّ هذا الاحتمال مخالف لظاهر الرواية ، لظهورها في افتراض يقين وشكّ فعلا ، وفي أنّ العمل بالشكّ نقض لليقين وطعن فيه ، مع أنّه بناء على الاحتمال المذكور لا يكون اليقين فعليّا ، ولا يكون العمل بالشكّ نقضا لليقين ، بل هو نقض لحكم العقل بوجوب تحصيله.
والجواب عن هذا الاعتراض : أنّه لا يمكن استظهاره من الرواية ، بل ظاهرها مخالف لهذا الاحتمال. والوجه في ذلك : أنّ الرواية ظاهرة في أمرين :
أحدهما : أنّ الرواية ظاهرة في افتراض يقين وشكّ موجودين بالفعل لا تقديرا ، ويدلّ على ذلك قوله : « ولا تنقض اليقين بالشكّ » الظاهر في وجود يقين وشكّ فعلا لدى المكلّف ، بل هذا ما صرّح به السائل عند افتراضه لإحراز الثالثة والشكّ في الرابعة ، أو عند إحراز الركعتين والشكّ في الأربع.
والآخر : أنّ قوله : « ولا ينقض ـ ولا يدخل ـ ولا يخلط ـ إلى آخره » ظاهر في أنّ العمل بالشكّ والبناء عليه سوف ينقض اليقين ويهدمه ، وهذا معناه أنّه يوجد يقين سابق على الشكّ بحيث يكون الشكّ متأخّرا عن اليقين والبناء عليه طعن في اليقين وإلغاء له.
وما ذكر في الاعتراض من ظهور الرواية أو احتمال ظهورها في قاعدة « الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني » لا ينسجم مع هذين الظهورين أصلا وذلك : أنّ قاعدة الفراغ اليقيني حكم عقلي بوجوب تحصيل اليقين بالفراغ وبراءة الذمّة ممّا اشتغلت به يقينا ، وهذا يعني أنّ اليقين ليس موجودا فعلا وإنّما يراد إيجاده وتحصيله لكي تفرغ الذمّة ، فاليقين لم يفرغ عن وجوده ، وهذا مخالف لظهور الرواية في وجود يقين بالفعل لا تقديرا ، هذا أوّلا.
وثانيا : أنّ البناء على الشكّ يعني أنّ المكلّف لم يراع حكم العقل بلزوم الاحتياط وتحصيل اليقين بالفراغ وبراءة الذمّة ، وهذا يعني أنّ البناء على الشكّ ينقض حكم العقل ، بينما الرواية ظاهرة في أنّ البناء على الشكّ ينقض اليقين نفسه.
وثالثا : أنّ ظهور الرواية في كون البناء على الشكّ ينقض اليقين يفترض مسبقا وجود يقين فعلا لكي يكون العمل بالشكّ نقضا له ؛ لأنّ هذا التعبير : « ولا ينقض اليقين بالشكّ » يشتمل على موضوع وحكم ، والمفروض أن يكون الموضوع متحقّقا
![شرح الحلقة الثّالثة [ ج ٥ ] شرح الحلقة الثّالثة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F814_sharh-alhalqatelsalesa-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
