قالت : لا والله ولا وبرة واحدة من مال المسلمين (١) .
إن هذه الحكايات ـ أن دلت على شيء ـ فإنما تدل على أن نفوس الناس أوعية تقبل الخير ـ على أسوء الفروض ـ كما تقبل الشر . فاذا ساد الشر في المجتمع وتبناه حكام السوء اختفت الفضيلة وقل ناصرها . والعكس صحيح كذلك . وبما أن التاريخ البشري بصورة عامة ، والتاريخ العربي الإسلامي بصورة خاصة قد غلبت على حكامه ـ باستثناء علي بن أبي طالب ـ شهوة الحكم والمحافظة على المصالح الذاتية ـ بنسب متفاوتة ـ فلا عجب أن رأينا نفوس الرعايا قد طبعت على الشر والهبوط عن مستويات الأخلاق الرفيعة .
وللحكام الأمويين القدح المعلى في هذا الشأن .
ولو اتيح لعلي بن أبي طالب أن يحكم العالم العربي ـ الإسلامي بعد وفاة الرسول مباشرة لكانت الأخلاق العربية ـ الإسلامية المنتشرة في الوقت الحاضر ـ غير ما هي عليه الآن .
وفي هذه النقطة بالذات يظهر أثر الأمويين في الخلق العربي ـ الإسلامي الشائع واضحا كالشمس في رائعة النهار . « سأل رجل عليا ما بال المسلمين اختلفوا عليك ولم يختلفوا على أبي بكر وعمر ؟ فقال لأن أبا بكر وعمر كانا واليين على مثلي . وأنا اليوم وال على مثلك (٢) . »
العصبية القبلية الجاهلية التي حاربها الإسلام : تمسك الأمويين بأمويتهم أولا
__________________
١ ـ العقد الفريد ١ / ٢١٦ ، ٢١٧ .
٢ ـ مقدمة ابن خلدون ، المطبعة التجارية ص ٢١١ . لعل الإمام قصد بذلك أن الجبل الإسلامي الذي عاش في عهد أبي بكر وعمر ما زالت تكتنفه هيبة النبي وتهيمن على نفسه الأحكام التي كان الرسول سائراً ـ في سياسته ـ وفقاً لمستلزماتها . أما الجيل الذي أراد أن يحكمه الأمام ـ في ضوء القران وسيرة النبي ـ فقد فسدت طباعه أثناء خلافة عثمان .
