ويلوح للباحث إن طارق بن عبد الله كان جاهلا بنفسية الإمام ـ وإن كان ملتصقا به ـ . فغاب عن ذهنه أن الصديق الوحيد للإمام هو الحق وإشاعة العدل بين الناس . وقد دفعه جهله إلى إعلان استغرابه من موقف الإمام ـ الطبيعي ـ من النجاشي . فالنجاشي ـ بنظر الإمام ـ رجل من المسلمين انتهك حرمة من حرم الله فاستحق على ذلك العقوبة الشرعية المناسبة .
وهنا يكمن سر خلود الإمام ـ على مر الأجيال ـ ، ويتجلى الإمام ـ في اتباعه الحق ـ كالطود ينحدر عنه السيل ولا يرقى إليه الطير . وفي هذه النقطة بالذات يصعق مناوؤه ويتخاذلون فيذهبون مع الملك بالأيام التي انسلخت من أعمارهم أثناء الحياة .
وفي هذه النقطة بالذات كذلك يبرز أنصار الإمام ومشايعوه على السواء . فطارق المار الذكر لم يكن من أنصاره ـ من مشايعيه . وينعكس الأمر عند الاشتر كما رأينا .
ولم يكن الإمام غافلا عما ذكرناه . ولكنه كان مقيدا ـ في سياسته العامة ـ بقيود الشريعة ، مدفوعاً إلى اتباعها . فكان يقف مع النصوص لا يتعداها إلى الاجتهاد والأقيسة إذ لا اجتهاد في معرض النص .
وكان الإمام يطبق أمور الدنيا على أمور الدين ، ويسوق المسلمين جميعاً مساقاً واحداً . ولا يرفع ولا يضع إلا بالكتاب والسنة . ولم يكن يرى مخالفة الشرع لأجل السياسة سواء أكانت سياسة دينية أم دنيوية .
ولم يكن أيضاً ينزل العقوبة ـ بمن يستحقها ـ إلا إذا ثبت عنده أن الإنسان قام بعمل يستوجب العقاب . أي أن الأصل ـ عنده ـ براءة الذمة كما يقولون . ولا يعاقب قبل حدوث الجرم .
فالإمام إذن ـ وإن
فتح قلبه للمشايعين ـ لم يتردد في إزاحتهم عنه كلما آنس بتصرفاتهم خروجا على الدين . وإذا صح ما ذهبنا إليه جاز لنا أن نقول أن أولئك
