وركن كل شيء عاد الى طبيعته ، واختفى رجال الشرطة من جسر الرصافة وكانت مياه دجلة تجري تتدافع امواجها كما كانت منذ مئات السنين .. حتى جثمان جعفر بشقيه والذي ظلّ عاماً كاملاً اختفى واضحت جثته رماداً تذوره الرياح .. رياح التاريخ ٣.
ان هواجس هارون التي تقض مضجعه تتجسد في الخطر العلوي فهؤلاء المشرّدون منذ اكثر من قرن هم مشاريع للثورة .. في كل مكان تطأه أقدام علوي تشتعل الثورة ، ويتألق حلم الحرّية.
غمغم الرشيد كمن يحدّث نفسه :
ـ كيف بك يا أصمعي إذا ظهر تعاديهما وبدت البغضاء بينهما ، ووقع بأسهما بينهما حتى تفسك الدماء ، ويودّ كثير من الاحياء انهم كانوا موتى.
أعادت الكلمات الغامضة الأصمعي الى نفسه وهتف مأخوذاً بما يسمع :
ـ أهذه نبوءة منّجم يا أمير المؤمنين؟!
قال هارون وفي عينيه حزن ويأس :
ـ بل نبوءة عن الاوصياء .. عن الانبياء!
٢٤
