الحقيقةِ والآخَرُ على الظَّاهرِ ؛ كما هو شأنُ أَهلِ النِّفاقِ ، وكما يوجدُ بعضُ المؤمنين يُخالِطُ بعضَ الكفرةِ ويُعاشرُهُم ؛ لغَرَضٍ دنيويٍّ ضروريٍّ.
( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ) (١) خَلَقْناهُ وأَنْشأْناهُ ، كقَولِهِ : ( وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ ) (٢) وقيلَ : نَزَلَ آدمُ ومعَهُ خمسةُ أَشياءَ من الحَديدِ : السَّندانُ ، والكَلْبَتانِ ، والمِيقَعَةُ ، والمِطرَقَةُ ، والإِبرَةُ. وعن النّبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم : ( أَنْزَلَ أَرْبَعَ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ إِلى الأَرْضِ ، أَنْزَلَ الحَدِيدَ ، والمَاء ، وَالنَّارَ ، وَالمِلْحَ ) (٣).
ومعنى : ( فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) أَنَّ آلاتِ الحربِ تُتَّخَذُ منه ، ومنافعُهُ للنّاسِ ظاهرةٌ ؛ إِذ لا صَنعَةَ إِلاَّ والحَدِيدُ أَو ما يُعَملُ بالحَدِيدِ آلتُها.
( فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) (٤) أَي رَفَعنا عنك حِجابَكَ الَّذي هو عبارةٌ عن الاشتغالِ بعالمِ المحسوساتِ وقَصْرِ النَّظَرِ عليه ، فبَصَرُكَ اليومَ نافذٌ ؛ لزوالِ المانِعِ للإِبصارِ بقطعِ العلائِقِ الحِسِّيَّةِ.
الأثر
( إِنَّ اللَّمَمَ مَا بَيْنَ الحَدَّيْنِ : حَدِّ الدُّنْيا وحَدِّ الآخِرَةِ ) (٥) أَي الذَّنبَ المعفُوَّ عنه المستثنى في القرآنِ ما لم يُوجِب حَدَّاً في الدُّنيا ـ وهو أن لا يكونَ كالسِّرقةِ والزِّنا ـ ولا عذاباً في الآخرةِ ، بأَن لا يكونَ كعُقُوقِ الوالدَينِ ، وأَكْلِ الرِّبا.
( الحِدَّةُ تَعْتَري خِيارَ أُمَّتِي ) (٦) أَرادَ بها الصَّلابَةَ في الدِّينِ ، والخُشونَةَ في ذاتِ اللهِ ، ومنه :
( خِيارُ أُمَّتِي أَحِدَّاؤُها ) (٧) وهو
__________________
(١) الحديد : ٢٥.
(٢) الزّمر : ٦.
(٣) مجمع البيان ٥ : ٢٤١ ، تفسير القرطبي ١٧ : ٢٦٠.
(٤) ق : ٢٢.
(٥) جامع البيان ٢٧ : ٩٠ / ٢٥٢٢٠ ، النّهاية ١ : ٣٥٢.
(٦) مسند أبي يعلى ٤ : ٣٣٧ ، النّهاية ١ : ٣٥٢.
(٧) الفائق ١ : ٢٦٥ ، النهاية ١ : ٣٥٣.
![الطّراز الأوّل [ ج ٥ ] الطّراز الأوّل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F491_taraz-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
