الكتاب
( كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ) (١) بكسرِ العينِ ، أَي هَلَكَتْ ، وقرأَ السُّلَمِيُّ بضمِّها (٢) اعتباراً لمعنى مطلقِ البُعدِ ؛ كما يقال : ذَهَبَ ومَضَى في معنى الموت ، أَو بُعْداً لهم مِن رحمةِ اللهِ كما بَعُدَت ثَمُودُ منها.
( وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (٣) أَي هلاكاً لهم ، وفائدةُ الدّعاءِ عليهم بذلك ـ بَعْدَ هلاكِهِم ـ الدّلالةُ على أَنَّهم كانوا أَهلاً له ؛ كقوله :
|
إِخْوَتي لا
تَبْعَدُوا أَبَداً |
|
وبَلَى واللهِ
قَدْ بَعِدُوا (٤) |
( رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا ) (٥) طَلَبوا أَن يجعلَ بينهم وبين الشّامِ مفاوِزَ ؛ ليركبوا الرّواحِلَ فيها ويَتزوَّدُوا الأَزْوادَ ، وذلك حين بطروا النِّعمةَ ، وسَئِمُوا طيبَ العيشِ ، وملَّوا الدَّعَةَ والرَّاحةَ ، فطَلَبوا الكدَّ والتّعبَ ؛ كما طلبَ (٦) بنو إسرائيلَ الثُّومَ والبَصَلَ مكانَ المَنِّ والسَّلْوَى.
( فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) (٧) أَي في ضلالٍ عن الحقِّ مُتناهٍ في البُعْدِ يَصعُبُ الرّجوعُ فيه إِلى الهُدَى ؛ كمَن ضَلَّ عن محجَّةِ الطّريقِ بُعداً مُتناهِياً.
والبُعْدُ في الحقيقةِ للضّالِّ ؛ لأَنَّه المتباعِدُ عن الطَّريقِ ، إِلاَّ أَنَّه وَصَفَ به فِعلَهُ مجازاً للمبالغةِ ؛ كجَدَّ جَدُّهُ.
أَو المرادُ في ضلالٍ ذي بُعْدٍ ، أَو فيه بُعْدٌ ؛ لأَنَّ الضَّالَّ قد يَضِلُّ عن الطَّريقِ مكاناً قريباً وبعيداً.
( وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ) (٨) أَي ما تلك الحجارةُ من كلِّ ظالمٍ ببَعيدٍ ، أَي بشيءٍ بَعيدٍ أَو بمكانٍ بَعيدٍ ؛ لأَنَّها وإِن كانتْ في السَّماءِ على بُعْدِها إِلاَّ أَنَّها
__________________
(١) هود : ٩٥.
(٢) الكشّاف ٢ : ٤٢٥ ، البحر المحيط ٥ : ٢٥٧.
(٣) هود : ٤٤.
(٤) هو لفاطمة الخراعية ، كما في شرح ديوان الحماسة للتّبريزى ٢ : ١٩٠.
(٥) سبأ : ١٩.
(٦) في « ت » و « ش » : طلبوا.
(٧) ابراهيم : ٣ ، ق ٢٧.
(٨) هود : ٨٣.
![الطّراز الأوّل [ ج ٥ ] الطّراز الأوّل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F491_taraz-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
