والذي يهمّ البحث هنا تمييز النسبة ، وهو : ما يبيّن إجمال نسبة شيء إلىٰ شيء آخر ، نحو : (حَسُنَ محمّدٌ خُلُقاً) ، فـ : (خُلُقاً) بيّن نسبة الحُسن إلىٰ (محمّد) فليس (محمّد) مبهماً ، وإنّما (حسنُ محمّدٍ) هو المبهم ، فمُيّز بالخُلُق(١).
ومن أقسام تمييز النسبة ما هو محوّل ، إمّا من فاعل ، نحو قوله تعالىٰ : ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾(٢) ، وأصله : اشتعل شيبُ الرأس ، فحُوّل الفاعل المضاف (شيب) إلىٰ التمييز وأقيم المضاف إليه مقامه. وإمّا محوّل من المفعول به ، كقولنا : (غرستُ الأرضَ شجراً) ، وقوله تعالىٰ : ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾(٣) ، وأصله : فجّرنا عيونَ الأرض ، فحُوِّل المفعول المضاف (عيون) إلىٰ التمييز ، وأقيم المضاف إليه مقامه.
وهذا الأخير ـ المنقول من المفعول ـ خالف به المتأخّرون ومنهم ركن الدين الأسترابادي المتقدّمين من النحويّين؛ إذ لم يذكروا هذا القسم من أقسام تمييز النسبة (تمييز الجملة) وقد أثبته ركن الدين بقوله : «اعلمْ أنّ التمييز ... قد يُنصَب بعد تمام الكلام وما أشبهه ، وهو في الأصل إمّا فاعل أو مفعول ، ثُمّ نُقلَ الفعلُ ، وأسند إلىٰ متعلِّق كلّ واحد منهما ، ونُصب علىٰ التمييز ، مبالغة في الإخبار عنه ... ومثال الثاني : خَضَبتُ زيداً كفّاً ، وقوله تعالىٰ : ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ ، والأصل : خضبتُ كفَّ زيدٍ ، وفجّرنا عيونَ الأرض»(٤).
وبعد استقصاء دقيق لآراء النحويّين في هذه المسالة ، ثبت أنّ أبا موسىٰ الجزولي هو أوّل من أقرّ هذا القسم من التمييز ، إذ قال : «التمييزُ ينقسم قسمين :
__________
(١) حاشية الصبّان علىٰ شرح الأشموني علىٰ ألفية ابن مالك ٢/١٩٤ ـ ١٩٥.
(٢) سورة مريم الآية : ٤.
(٣) سورة القمر الآية : ١٢.
(٤) التوطئة : ٢٢٢.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٨ ] [ ج ١٤٨ ] تراثنا ـ العدد [ 148 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4731_turathona-148%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)