رأي الأخفش ، فقد سها أو تغافل عن المعنىٰ النحوي الذي سعىٰ الأخفش لإقراره في مثل هذا الاستعمال ، والذي لو لم يصطدم بتزمّت العقلية النحوية أحياناً ، لَثَبَتَ وقَرَّ.
فالأخفش إنّما جوّز أن يرتفع الاسم بعد (إنْ ، وإذا) الشرطيّتين من دون أخواتهما في الشرط ، لكثرة الاستعمال الوارد بهما وقد ارتفع الاسم بعدهما(١) ، وكفىٰ بنصوص القرآن الكريم شواهد علىٰ ذلك ، ومن أمثلتها التي تتردّد في كتب النحويّين قوله عزّ وجلّ : ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾(٢) ، وقوله سبحانه وتعالىٰ : ﴿إذا السَّماءُ انشَقَّتْ﴾(٣) ، ولا شكّ في أنّ كثرة الاستعمال موجبة لإقرار الحكم النحوي.
إنّ من يتأمّل في تقديم (أحَدٌ) و(السّماءُ) في نظم الآيتين الكريمتين يتبيّن له المقصد الدلالي ، لورودهما بعد حرف الشرط وتأخير الفعل بعدهما ، فالآية الأولىٰ تُلقي حكماً ثقيلاً علىٰ نفوس المسلمين ، فـ : (أحدٌ) المنكّر ، المبَيّنَة صفته بأنّه من المشركين ، لا بدّ أنْ يُجارَ ، ليسمع أحكام الدين في بيوتات المسلمين ، عسىٰ أن يهتدي للحقّ ، فاستدعىٰ هذا الحكم الشرعي أن يكون الترتيب : ﴿إنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكينَ اسْتَجارَكَ﴾ ، فقدّم فيه (أحدٌ) ، لأنّه موضع العناية ، وخُولِف بذلك ما أتلِف نظمه في جملة الشرط ، ليقع التركيب المخالِف لقاعدة النحويّين موقعاً غير مألوف عندهم ، وعند المتلقّي ، فيستعدّ ـ بعد تأمّلٍ ـ لقبول حكم الله في المستجير
__________
(١) حاشية الشيخ يس علىٰ شرح التصريح ١/٧٠١ ، ونُسِب فيه هذا الرأي إلىٰ الكوفيّين والأخفش.
(٢) سورة التوبة الآية : ٦.
(٣) سورة الانشقاق الآية : ١.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٨ ] [ ج ١٤٨ ] تراثنا ـ العدد [ 148 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4731_turathona-148%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)