أيضاً : ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ﴾ أي : وأشدّ قسوة؛ لأنّ هذا تكذيب الأوّل بالثاني ، لأنّه قال : ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ في الشدّة ، لا أشدّ منها ولا ألين ، فاذا قال بعد ذلك : ﴿أَوْ أَشَدُّ﴾ ، فقد رجع عن قوله الأوّل : إنّها ليست بأشدّ ... وبيّن في الثاني أنّ قلوبهم أشدّ قسوة من الحجارة ، لا بقوله : ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ ، ولكن بقوله تعالىٰ : ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾»(١). ويُستدلّ من كلام الإمام العسكريعليهالسلام أنّه يُفنّد القول بالنيابة عن (أو) في معنىٰ الآية الكريمة بأدلّة معتبرة ، فلا يمكن أن يستقيم المعنىٰ علىٰ الاستدراك بـ : (بل) ، وهي تقتضي الاستدراك والنقض للكلام الأوّل ، والإضراب عنه ، وذلك ممّا يوجب الغلط ، وهو من شؤون المخلوقين لا الخالق. ولا يمكن أن يستقيم معنىٰ الآية بالواو أيضاً ، ذلك أنّ معنىٰ الواو الجمع بين شيئين في حالين مختلفين ، فلا يجوز أن تكون قلوبهم كالحجارة أو أشدّ من الحجارة في حال واحدة ، ذلك أنّ قلوبهم قد أخبر عنها بأنّها قاسية كالحجارة ، فلم يجُز أن يكون الخبر الثاني علىٰ خلاف ذلك.
ومنه يُفهَم أنّ إرادة الجمع ممتنعة هنا ، وأنّ التفاوت بين قسوة قلوب اليهود وقسوة الحجارة إنما يُستفاد من قوله تعالىٰ : ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ، كما صرّح الإمام العسكري بذلك ، فقلوب اليهود أقسىٰ ، لا ينضح منها خيرٌ أبداً ، بخلاف الحجارة التي تطيع أمر ربِّها.
__________
(١) تفسير الإمام العسكري ٦٨ /١١.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٥ ] [ ج ١٤٥ ] تراثنا ـ العدد [ 145 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4726_turathona-145%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)