كاشف عن منهج متدرّج ، يبدأ فيه الفرد بخطوته الأولىٰ وهي الاستغفار من كلّ ما يوجب الابتعاد عن ساحة قربه عزّ وجلّ ، والتدرّج في تطهير النفس وتخليتها من أدران الهوىٰ ، ثمّ العودة إلىٰ الله بالتوبة عن البعد والانقطاع إلىٰ كلّ ما يوجب قربه ورضاه ، وفي ذلك يقول الشيخ مكارم الشيرازي : «والواقعُ أنّ الاستغفار تَوقّف في مسير الذنب ، وغسل النفس ، والتوبة عودة إلىٰ الله الكمالِ المطلقِ»(١).
النموذج الخامس : في قوله تعالىٰ : ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾(٢). أورد يحيىٰ بن سلّام أنّ معنىٰ الآية : ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ ، يعني : القرون الأولىٰ ، والألف هاهنا صلة﴾(٣) ، ويتّضح منه أنّه أناب (الواو) عن (أو) في الآية؛ ليجمع بين (تقواهم ، وإحداث الذكر لهم) ، إذ هما يعودان إلىٰ معنىٰ جامع ، هو الاعتبار الذي يفضي إلىٰ تحقيق الغرض من الوعيد الذي سعىٰ النصّ القرآني لإقراره ، ويعضد معنىٰ الجمع بالواو عندهم ، ما في قوله تعالىٰ في قصّة فرعون : ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾(٤) ، فالتذكّر والخشية مجموعان لمعنىٰ التوبة والإنابة عن الطغيان. وأغرب الماتريدي فأناب عن (أو) في الآية (ثمّ) قال : «وإن كان ألزمهم أن يتّقوا فهو علىٰ أو ثمّ»(٥). وإنّما قال بإلزام الله إيّاهم التقوىٰ بقرينة (لعلّ) التي قرّر أنّها تفيد عند استعمالها علىٰ لسان الله الوجوب ، قال : «لعلّهم يتّقون ، أي : ألزمهم أن يتّقوا بما
__________
(١) الأمثل ٧ / ٤١.
(٢) سورة طه : الآية ١١٣.
(٣) تفسير يحيىٰ بن سلّام ١ /٢٨٢.
(٤) سورة طه : من الآية ٤٤.
(٥) تأويلات أهل السنّة ٧ /٣١٤.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٥ ] [ ج ١٤٥ ] تراثنا ـ العدد [ 145 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4726_turathona-145%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)