٣ـ إنّ تفسير الاستغفار هنا بمعنىٰ ترك الشرك ، والتوبة بمعنىٰ الرجوع إلىٰ التوحيد والعمل بطاعة الله ، استناداً إلىٰ أنّ الخطاب لقوم مشركين ، يتعارض مع قاعدة الجري في الخطابات القرآنية ، وهي قاعدة معتبرة في التفسير ، مفادها أنّ : «ما ورد من شأن النزول ، وهو الأمر ، أو الحادثة التي تعقب نزول آية أو آيات في شخص أو واقعة ، لا يوجب قصر الحكم علىٰ الواقعة؛ لينقضي الحكم بانقضائها ويموت بموتها؛ لأنّ البيان عامّ ، والتعليل مطلق»(١) ، ومصطلح الجري ومفهومه مأخوذ عن أئمّة آل البيت عليهمالسلام ، إذ ورد عن الإمام الصادق عليهالسلام : «لو كانت إذا نزلتْ آية علىٰ رجلٍ ثمّ مات ذلك الرجل ماتت الآية ، مات الكتاب والسنّة ، ولكنّه حيّ يجري في مَن بقي ، كما جرىٰ في مَن مضىٰ»(٢). ومع الإيمان بما تقدّم ، يتّضح أنّ القائلين بأنّ خطاب الآية خطاب عامّ ، قد أحسنوا الرأي.
والظاهر من التعبير القرآني أنّ العطف إنّما هو بين (الاستغفار) بمعنىٰ طلب غفران كلّ ما يوجب الابتعاد عنه سبحانه وتعالىٰ ، والجدّ والاجتهاد في السعي لحصول ذلك و (التوبة إلىٰ الله) ، وهي مرتبة سامية لا تتعلّق بستر الذنب المتقدّم وغفرانه ، بل إنّ لها تعلّقاً بمقامات عالية من الرضا الإلهي والعقائد الكلّية ، يشهد لذلك التفريق بين استعمال (التوبة) و (التوبة إلىٰ الله) في التعبير القرآني ، ففي التوبة يقول تعالىٰ : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَىٰ اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ وَكَانَ الله عَلِيمًا حَكِيمًا﴾(٣) ، و : ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ
__________
(١) الميزان ١ / ٢١.
(٢) بحار الأنوار ٢ / ٢٧٩.
(٣) سورة النساء : الآية ١٧.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٥ ] [ ج ١٤٥ ] تراثنا ـ العدد [ 145 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4726_turathona-145%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)