المشركين ، بأنّ خطابها عامّ ، وأنّ (ثمّ) عطفت بين الاستغفار والتوبة ، علىٰ معنىٰ : «استغفروا ممّا مضىٰ ، وتوبوا ممّا تواقعون في المستقبل»(١) ، أي : «استغفروه من سالف ذنوبكم ، ثمّ توبوا إليه من المستأنف ، متىٰ وقعت منكم»(٢).
٣ـ إنّ العطف بـ : (ثمّ) هنا ورد بين السبب والمسبّب عنه ، ولكنّ العناية في الكلام اقتضت هذا الترتيب في النصّ القرآني ، فالتوبة هي السبب ، والاستغفار مسبّب عنها ، قال الماوردي : «إنّه قدّم ذكر الاستغفار؛ لأنّ المغفرة هي الغرض المطلوب والتوبة هي السبب إليها ، فالمغفرة أوّل في الطلب وآخر في السبب»(٣). وأيّده في ذلك الشيخ الطوسي ، والطبرسي(٤). وفصّل الرازي في هذا المعنىٰ بقوله : إنّ «معنىٰ قوله : ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا﴾ ، اطلبوا من ربّكم المغفرة لذنوبكم ، ثمّ بيّن الشيء الذي يطلب به ذلك وهو التوبة ، فقال : ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾؛ لأنّ الداعي إلىٰ التوبة والمحرّض عليها هو الاستغفار ، الذي هو عبارة عن طلب المغفرة ، وهذا يدلّ علىٰ أنّه لا سبيل إلىٰ طلب المغفرة من عند الله إلّا بإظهار التوبة ، والأمر في الحقيقة كذلك ، لأنّ المذنب معرض عن طريق الحقّ ، والمعرض والمتمادي في التباعد ما لم يرجع عن ذلك الإعراض لا يمكنه التوجّه إلىٰ المقصود بالذات ... فثبت أنّ الاستغفار مطلوب بالذات ، وأنّ التوبة مطلوبة؛ لكونها من متمّمات الاستغفار ، وما كان آخراً في الحصول كان أوّلاً في الطلب ، فلهذا السبب قدّم ذكر الاستغفار علىٰ التوبة»(٥).
__________
(١) الوجوه والنظائر : ٥٧.
(٢) النكت والعيون ٢ / ٤٥٦.
(٣) المصدر نفسه ٢ / ٤٥٦.
(٤) ينظر : التبيان في تفسير القرآن ٥ / ٤٤٠؛ مجمع البيان ٥ / ٢١٤.
(٥) مفاتيح الغيب ١٧ / ٣١٥.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٥ ] [ ج ١٤٥ ] تراثنا ـ العدد [ 145 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4726_turathona-145%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)