«وقولُه : ﴿ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ ، يقولُ : ثمّ ارجعوا إلىٰ ربّكم بإخلاص العبادة له دون ما سواه من سائر ما تعبدون من دونه ، بعد خلعكم الأنداد وبراءتكم من عبادتها؛ ولذلك قيل : ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ ، ولم يقلْ : (وتوبوا إليه)؛ لأنّ (التوبة) معناها الرجوع إلىٰ العمل بطاعة الله ، والاستغفار : استغفار من الشرك الذي كانوا عليه مقيمين ، والعمل لله لا يكون عملاً له إلّا بعد ترك الشرك به»(١). وقال الماتريدي : «أي : أسلموا ثمّ توبوا إليه ، أي : ارجعوا إليه عن كلّ معصية»(٢). وقال ابن عطية : «ومعنىٰ الآية : ﴿اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾ ، أي : اطلبوا مغفرته لكم ، وذلك بطلب دخولكم في الإسلام ، ثمّ توبوا من الكفر ، أي : انسلخوا منه ، واندموا علىٰ سالفه. و (ثمّ) مرتّبة؛ لأنّ الكافر أوّل ما ينيب فإنّه في طلب مغفرة ربّه ، فإذا تاب وتجرّد من الكفر ، تمّ إيمانُه»(٣). وأيّدهم في ذلك ابن الجوزي ، والبيضاوي ، والطيّبي ، وأبو حيّان ، والسمين الحلبي ، وابن عجيبة الأنجري ، وأبو زهرة(٤) ، واستظهر السيّد محمّد حسين الطباطبائي أنّ معنىٰ الاستغفار هنا : ترك عبادة الأصنام ، وطلب الغفران ، وأنّ معنىٰ التوبة : الإيمان ، وبه «يستقيم الجمعُ بين الاستغفار والتوبة ، مع عطف التوبة عليه بـ : (ثمّ)»(٥).
٢ـ احتمل المفسّرون أيضاً معنىٰ زائداً علىٰ ما قيل من أنّ الآية في خطاب
__________
(١) جامع البيان ١٥ / ٢٢٩.
(٢) تأويلات أهل السنّة ٦ / ٩٥.
(٣) المحرّر الوجيز ٣ / ١٤٩.
(٤) ينظر : زاد المسير ٢ / ٣٥٧؛ أنوار التنزيل ٣ / ١٢٧؛ فتوح الغيب ٨ / ١١؛ البحر المحيط ٦ / ١٢٠؛ الدرّ المصون ٦ /٢٨٢؛ البحر المديد ٢ / ٥٠٨؛ زهرة التفاسير ٧ / ٣٧٢٣.
(٥) الميزان ١٠ / ٧٣.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٥ ] [ ج ١٤٥ ] تراثنا ـ العدد [ 145 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4726_turathona-145%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)