الأرض فإذا هو قريب جدّاً منها ، ومثل هذا الفهم للآية القرآنية لا يصدر إلّا من أهل التأويل ، عِدلِ الكتاب وحملةِ الوحي.
النموذج الثالث : في قوله تعالىٰ : ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدىٰ﴾(١).
أشار الكرماني إلىٰ أنّ (ثُمّ) في الآية استعملت بمعنىٰ الواو ، لعطفها سابق علىٰ لاحق ، قال : إنّ (ثُمَّ) قد تأتي مع الجملة دالّةً علىٰ التقدّم ، كقوله : ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ﴾ ، والاهتداء سابق»(٢). واستدلّ علىٰ هذا المعنىٰ لـ : (ثُمّ) بمناظرة الآية المذكورة بقوله تعالىٰ : ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾(٣). ذلك أنّ الإيمان سابق علىٰ فكّ الرقبة وإطعام اليتيم أو المسكين ، واستدلّ أيضاً بقول أبي نواس :
|
قُلْ لِمَن سادَ ثمَّ سادَ أبوهُ |
|
ثمّ قد سادَ قبلَ ذلك جدُّهْ |
وصرّح مجد الدين ابن الأثير ، بأنّ قوماً ـ لم يسمِّهم ـ قالوا بنيابة الواو عن (ثُمّ) هنا ، قال في أحكام (ثُمّ) : «فإذا عطفتَ بها الجملَ ، لم يلزم التراخي فيها ، كقوله تعالىٰ : ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدىٰ﴾ ، وقال عزّ من قائل : ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقد ذهب قوم إلىٰ أنّ (ثمّ)
__________
(١) سورة طه : الآية ٨٢.
(٢) غرائب التفسير ١ / ٢٦٠.
(٣) سورة البلد : الآيات ١١ـ ١٧.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٥ ] [ ج ١٤٥ ] تراثنا ـ العدد [ 145 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4726_turathona-145%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)