النموذج الثاني : في قوله تعالىٰ : ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾(١) ، ذهب أكثر المفسّرين إلىٰ أنّ الداني والمتدلّي في الآية المباركة هو جبرائيل ، دنا من محمّد صلىاللهعليهوآله يوم الإسراء به فتدلّىٰ إليه(٢) ، قال الفرّاء : «وقوله عزَّ وجل : ﴿ثُمَّ دَنا﴾ ، يعني : جبريل (صلّىٰ الله عليه) ، دنا من محمّد صلىاللهعليهوآله ، حتّىٰ كَانَ قابَ قوسين عَرَبيَّتينِ ، أَوْ أدنىٰ ، فَأَوْحىٰ ، يعني : جبريل عليهالسلام ﴿إِلىٰ عَبْدِهِ﴾ : إلىٰ محمّدٍ صلىاللهعليهوآله»(٣).
وبعضهم رأىٰ أنّ الداني والمتدلّي هو الله تعالىٰ ، قال مقاتل بن سليمان : «ثُمَّ دَنا الربّ تعالىٰ من محمّد فَتَدَلّىٰ ، وذلك ليلة أُسري بالنبي (صلّىٰ الله عليه وسلم) إلىٰ السماء السابعة ، فكانَ منه قابَ قَوْسَيْنِ ، يعني قدر ما بين طرفي القوس من قِسِيِّ العرب أَوْ أَدْنىٰ ، يعنىٰ ، بل أدنىٰ ، أو أقرب من ذلك ... فَأَوْحىٰ إِلىٰ عَبْدِهِ محمّد (صلّىٰ الله عليه وسلم) ما أَوْحىٰ»(٤).
ولمّا كان التدلّي نحو الأسفل مقدّمة لدنوِّ الله تعالىٰ أو جبرائيل عليهالسلام من النبي صلىاللهعليهوآله ، رأىٰ فريقٌ من المفسّرين أنّ في الآية تضميناً لحرف الفاء معنىٰ الواو؛ لأنّ الفاء تفيد الترتيب والتعقيب وهو معنىٰ لا يوافق سياق المقام بحسب هذا التفسير ، ذلك أنّ تدلّي الله تعالىٰ أو جبرائيل عليهالسلام لا يسبق الدنوّ من النبي ، أمّا إنابة الواو عن الفاء ، فلا يضرّ معه تقديم الدنوّ علىٰ التدلّي في سياق الآية الكريمة ، إذ
__________
(١) سورة النجم : الآيتان ٨ ـ ٩.
(٢) ينظر : جامع البيان ٢٢ / ٥٠٢؛ تفسير القرآن ، لابن أبي حاتم ١٠ / ٣٣١٩؛ تأويلات أهل السنّة ٩ /٤١٧؛ بحر العلوم ٣ /٣٥٩؛ والتبيان في تفسير القرآن ٩ /٤١٢؛ مجمع البيان ٩ /٢٦١؛ الجامع لأحكام القرآن ١٧ /٨٩؛ أنوار التنزيل ٥ / ١٥٧؛ مدارك التنزيل ٣ / ٣٩٠.
(٣) معاني القرآن ٣ /٩٥.
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان ٤ /١٦٠؛ وينظر : معاني القرآن وإعرابه ٥ / ٧١؛ معالم التنزيل ٤ /٣٠٢؛ الدرّ المنثور ٧ / ٤٦٤.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٥ ] [ ج ١٤٥ ] تراثنا ـ العدد [ 145 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4726_turathona-145%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)