المفسّرون في معناها ، إذ يتّضح من أقوالهم ـ علىٰ اختلاف عقائدهم ـ أنّ الآية في مقام بيان الإلهام الإلهي للإنسان ، وتعريفه ، وإفهامه أنّ أمامه طريقين في مسيرته طريق الخير وطريق الشرِّ وتبيين أحوال كلٍّ منهما وعاقبتهما ، وليست الآية في مقام تقسيم المخلوقين بحسب اختيارهم إلىٰ أهل فجور وأهل تقوىٰ.
٢ـ إنّ استدلال ابن جزّي ومَن تابعه بآية : ﴿إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ لإثبات معنىٰ التفصيل في آية : ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ ، ليصحّ تناوب (الواو) و (أو) ينقضه اختلاف مقصد الآيتين الكريمتين المدلول عليه باختلاف سياق كلٍّ منهما ، فالآية موضع الدراسة سيقت مع ما قبلها من آيات كريمة للقسم بأمور عظيمة تُظهر آثار قدرة الله في خَلقه المحسوس ، وغير المحسوس كرفع السماء ، وطحو الأرض ، وتسوية النفس المُلهَمَة في فطرتها بتدبير شؤونِها باكتمال الملكة العقلية التي أودعها الله القدرة علىٰ التمييز بين الفجور والتقوىٰ ، وعرّفها طريقَ كلٍّ منهما ، فكانت (الواو) بما تحمل من معنىٰ الجمع أداة مقصودةً؛ لبيان ذلك المعنىٰ. أمّا سياق الآية الأخرىٰ فغرضه التنبيه علىٰ أنّ هداية الإنسان إلىٰ السبيل هي من متطلّبات ابتلائه ، وأنّ الابتلاء ـ كما هو معلوم ـ سيؤول إلىٰ التقسيم حتماً فهو إمّا إنسان شاكر أو إنسان كفور ، ونلحظ أيضاً أنّ سياق الآية يعرض لمرحلة تالية لمراحل الخلق الأولىٰ ، إذ أنّ الكلام فيها علىٰ النتيجة التي يتحصَّل عليها الإنسان بعد ابتلائه العملي في هذه الحياة الدنيا.
٣ـ إنّ اختلاف أهل التفسير في معنىٰ الإلهام ، بين الجبر أو التفويض ، أو أمر بينهما ، لم يُغيِّر في معنىٰ الجمع بـ : (الواو) شيئاً ، بخلاف ما نظّر إليه ابن جزّي بأنّ نيابة (أو) عن (الواو) هنا ستحيل المعنىٰ إلىٰ تقسيم المُلهَمين : إمّا أهل فجور ، أو أهل تقوىٰ.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٥ ] [ ج ١٤٥ ] تراثنا ـ العدد [ 145 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4726_turathona-145%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)