ليوقعوا به. ثمّ يصوّر لنا بديع الزمان في هذه المقامة كيف أنّ ابن القرية يستجيب لدعوة مَن يدعوه إلىٰ الضيافة ، كما هو الحال في مجتمعه الريفي القائم علىٰ كرم الضيافة ، ومن خلال هذه المقامة يمكننا التعرّف علىٰ شيء غاية في الأهمّية في دراسة التأريخ الاجتماعي لبغداد في ذلك الزمن ، حيث يبدو لنا أنّ نظام المطاعم كان معروفاً لديهم ، فكان هناك الشوّاء (الكبابي) والحلواني (الشكرجي) ـ صانع الحلوىٰ ـ ممّن يوظّبون الطعام للغرباء بثمن محدود كما تشير المقامة إلىٰ كيفية صنع الكباب في تلك الحقبة ، وهي لا تختلف عن طريقة صنعه اليوم بالساطور ، ونتعرّف من خلالها أيضاً علىٰ أنواع من الحلويّات والموادّ الداخلة في صنعها وما إلىٰ ذلك من المظاهر الاجتماعية التي لا يتعرّض لها المؤرّخ بالذكر.
وبالنظر لطرافة هذه المقامة فلا بأس بإيراد جانب منها يرسم نماذج من تلك الصور. قال(١) :
«فقلت هلمّ إلىٰ البيت نُصِبْ غذاء. أو إلىٰ السوق نشتري شِواء. والسوق أقرب ، وطعامه أطيب. فاستفزّته حُمّة القرم(٢) ، وعطفته عاطفة اللقم وطمع. ولم يعلم أنّه وقع. ثمّ أتينا شِواء عَرَقاً(٣) ، وتتسايل جوذاباته مرقاً. فقلت : افرز لأبي زيد من هذا الشواء ثمّ زن له من تلك الحلواء واختر له من تلك الأطباق ونضّد عليها أوراق الرقاق(٤) شيئاً من ماء السمّاق ...» إلخ.
__________
(١) من مقامات بديع الزمان : ٥٧.
(٢) الحمّة للشيء : شدّته. والقرم : اشتداد الشهوة إلىٰ أكل اللحم.
(٣) الذي يتقاطر منه الدهن ، أي : شواء (لحماً مشويّاً سميناً) وقد أكل ما علىٰ العظم من اللحم.
(٤) الرقاق : خبز رقيق معروف (الركاك).
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٥ ] [ ج ١٤٥ ] تراثنا ـ العدد [ 145 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4726_turathona-145%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)