فقال : دعوه ، فقلت لك ذلك بعد أن تعلّمني سرّ حالك. قال : أنا من بلاد الإسكندرية. فقلت : كيف نصرك الصبر ، وخذلنا؟ فأنشأ يقول :
|
ويك لولا الصبر ما |
|
كنت ملأت الكيس تبرا |
|
لن ينال المجد من ضاق |
|
بما يغشاه صـدرا |
|
ثمّ ما أعقبني الساعة |
|
ما أعطيت ضرّا |
|
بل به اشتـدّ أزرا |
|
وبه أجبر كسـرا |
وقد تكون نيّة الهمذاني في جعل الفساد الاجتماعي ذا شمولية ضاربة في الاتّساع تفسّر لنا تسميته كلّ مقامة باسم بلد من البلدان ذات الحضور المتميّز علىٰ خارطة الدولة العبّاسية. فهناك المقامة (الآذربيجانية) أو الآذرية. والمقامات الأرمنية ، والإصبهانيّة ، والأحوازية ، والمقامة البصرية ، والبغدادية ... إلخ.
لقد صوّر بديع الزمان كثيراً من المظاهر الاجتماعية ، والتقاليد والأعراف السائدة عند الناس في الحواضر التي كتب عنها مقاماته تصويراً يكاد يكون دقيقاً. من مثل طريقة تنقّل الناس ، ووسائل ذلك التنقّل ، والمآكل وأصنافها ، والحمّامات ورسومها ، وغير ذلك من مظاهر الحياة العامّة. فلو قرأنا أيّة مقامة من المقامات الإحدىٰ والخمسين أو الاثنتين والخمسين؛ لارتسمت لنا صورة موقف اجتماعي يمكن أن يرسمه الفنّان بريشة ملوّنة ولوجدناها تمثّل موقفاً سياسيّاً رافضاً للفساد السياسي والاجتماعي الذي كانا سائدين في مجتمعه. وقد شاهدت بنفسي مخطوطة نادرة للمقامات مشفوعة بالصور البديعة محفوظة في خزانة الجامع الكبير بصنعاء في اليمن ، تصوّر بعض صفحاتها معاناة الناس من السلطة الحاكمة.
فلو أنّنا قرأنا المقامة البغدادية مثلاً ، وهي من المقامات غاية في الطرافة؛ لتعرّفنا علىٰ صورة القروي الساذج الذي يدخل المدينة فتبهره أضواؤها ، وبهارجها ، ويكتنفه الخوف من أهل المدينة ظنّاً منه أنّهم سوف يستغلّون سذاجته
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٥ ] [ ج ١٤٥ ] تراثنا ـ العدد [ 145 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4726_turathona-145%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)