والمدن الإسلامية الأخرىٰ. ولو رجعنا إلىٰ الحالة الاجتماعية في تلك المدن والثغور ، نراها لا تمثّل لنا المستوىٰ اللائق من الحياة. فالمدينة غير مستقرّة ، والناس معرّضون لأن يفقدوا بيوتهم وضياعهم في أيّ وقت من دون أن يأتوا بما يبرّر ذلك ، والمجتمع قد سادته البلبلة الفكرية والاجتماعية وعدم الاستقرار. فالهمذاني كان موفّقاً كلّ التوفيق في تشخيص الاضطراب في القيم بفطنة وذكاء ، ولو لم يكن الهمذاني ذلك العالم والأديب الفذّ لما استطاع أن يرسم تلك الصور الاجتماعية السائدة في ذلك العصر ، والتي تمثّلت ـ فضلاً عن المعرفة والعلوم ـ بأنواع الحيل الاجتماعية ، ووسائل الابتزاز ، وطرق التلصّص ، فإنّها تشعرنا بأنّ الهمذاني كان يعايش مجتمعه بوعي عميق ، بحيث تمكّن من إدراك أسراره السلبية فألقاها علىٰ بطل مقاماته؛ ليجعل صورة التناقض في شخصيّة بيّنة ، وبذا عكست واقع المجتمع بنجاح(١). فقد ألّف مقامة تدلّ علىٰ مظهر من مظاهر فساد الحياة الاجتماعية في بغداد بذلك الحين ، هي المقامة الرصافية ، وقد شرح فيها حيل اللصوص ، وهي حيل فيها الطريف والقبيح إذا عددناها رأيناها تجاوز السبعين حيلة ، علىٰ أنّ أكثر تلك الحيل لا ينفع اليوم لأنّ أوضاع الناس ، وطرق العيش تغيّرت في الدنيا عمّا كانت عليه منذ عشرة قرون في بغداد(٢). ومن تلك الألاعيب والأساليب الشيطانية كما ذكرها في المقامة الرصافية بقوله :
حدّثنا عيسىٰ بن هشام قال : خرجت من الرصافة أريد دار الخلافة وحمّارة القيظ تغلي بصدد الغيظ ، فلمّا نصفت الطريق اشتدّ الحرّ وأعوزني الصبر ، فملت إلىٰ
__________
(١) النثر الفنّي في القرن الرابع ١/ ٢٢٥.
(٢) فنّ المقامة : ٥٥.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٥ ] [ ج ١٤٥ ] تراثنا ـ العدد [ 145 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4726_turathona-145%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)