اتّصل به بعد أن ترك همذان وتلمّذ له في صناعة الترسّل ، وأفاد منه أدباً جمّاً.
يتمثّل أدب البديع في شعره ونثره ، وقد سبق أن تحدّثنا عن أهمّ خصائصه الشعرية ، ولنا أن نتحدّث الآن عن إنشائه النثري الذي كان يمتاز بلغة أنيقة التعبير فيها رصانة البدو ، ورقّة الحضر ، تلازمها الصنعة من دون أن تفسد طبع صاحبها. فالهمذاني له باع طويل في تخيّر ألفاظه وتحسينها يتعهّد السجع فيردّده في جمل قصيرة الفواصل أو طويلتها ، وربّما تعدّدت فواصله متواطئة علىٰ حرف واحد فيؤثّر عندئذٍ تقصير الجمل ، ويقطّعها تقطيعاً وإذا تخلّىٰ عن السجع فهو لا يتخلّىٰ عن المجاز والتزيين ، فإنّ رسائله ومقاماته حافلة بالتشبيهات والاستعارات والكنايات وأنواع البديع اللفظي والمعنوي ، ولا سيّما الطباق والجناس ، وقلّما تقع علىٰ لفظ يعبّر عن حقيقة معناه ، وقد تمرّ بك استعارات وكنايات تدلّ علىٰ معنىٰ واحد وتقليب الجمل علىٰ المعنىٰ وهو ما يعرف عند البلاغيّين بـ : (الاستطراد) ، وهو من لزوميّات الصنعة ، لما فيه من افتنان في التعبير وتأنّق في إبلاغ المعنىٰ ويمكن اعتبار أدبه النثري ـ المتمثّل برسائله الفنّية ومقاماته ـ عبارة عن قصائد منثورة لاشتمالها علىٰ أبواب كثيرة اختصّ بها الشعر(١). كما كان يكثر من الاستشهاد بالأشعار العربية سواء أكانت من مقولاته أم من منقولاته ، ويستشهد بجملة أبيات أو ببيت واحد. كما يورد الأمثال والتلميحات ولا سيّما التاريخية.
وإنشاؤه علىٰ الجملة مجموعة صور مختلفة الألوان ، وهو للشعر أقرب منه للنثر ، وكأنّه في وشيه وترف ألفاظه خُلِق ليُربّىٰ ويترعرع في قصور الطبقة الغنيّة المترفة من
__________
(١) في الأدب العبّاسي : ٨٩.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٥ ] [ ج ١٤٥ ] تراثنا ـ العدد [ 145 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4726_turathona-145%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)