آراء تذهب إلىٰ أنّ فنّ المقامة ربّما يكون متأثّراً بالتوراة أو الكتب السنسكريتية القديمة التي سبق أن تركت بصماتها في كليلة ودمنة وغيرها. وإنّ شخصية أبي الفتح الإسكندري ربّما كانت متأثّرة بشخصية (جحا) المعروفة علىٰ رأي البعض من أنّ وفاة جحا كانت (٢٩٦هـ) لا كما هو منقوش علىٰ قبره في مدينة قونية بتركيا (٢٩٢هـ) ـ وهذا الرأي سمعته من الأديب المرحوم فؤاد عبّاس طرحه في ندوة علمية في تلفزيون بغداد سنة (١٩٦٥) ـ وهناك من النقّاد مَن يجد علاقة بين المقامة والأدب الهيليني ، ونحن لا يسعنا الركون إلىٰ هذه الآراء التي تفتح أمامنا الباب علىٰ مصراعيه للمقارنة العقيمة التي لا نخرج معها بنتائج دقيقة وسليمة.
البناء الفّني للمقامة :
إذا كان هناك ثمّة تأثّر بين فنّ وآخر ، فليس معنىٰ ذلك أنّ بإمكاننا استقصاء ميزات وأصول أحد ذينك الفنّين من الآخر. وهناك سؤال قد يطرأ علىٰ أذهان دارسي المقامة هو : لماذا تظهر المقامة بهذا الشكل البديع المنمّق المصطنع؟ وللجواب عن هذا السؤال نقول : إنّ موضوع القصّة بالذات كان مرتبطاً بالسجع دائماً والقاصّ سواء أكان مكدّياً أم واعظاً ، إذا وعظ بالمسجد استعمل السجع حتّىٰ يستجلب نفوس الناس وعواطفهم الدينية. وقد كان البديع أكثر من الحريري في هذا التكلّف حيث إنّ الصنعة قد بلغت عند الحريري حدّاً لا يطاق. إذ أنّه صار يقصدها بالذات تكلّفاً. وإذا سلّمنا بأنّ البديع قد أنشأ أربعمائة ، فلم يصلنا منها إلّا خمسين مقامة أو اثنتين وخمسين مقامة(١). ويبدو أنّ
__________
(١) تاريخ الأدب العربي ٢/ ١١٣.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٥ ] [ ج ١٤٥ ] تراثنا ـ العدد [ 145 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4726_turathona-145%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)