هذا العدد هو الذي أنشأه البديع. ذلك أنّ عددها مساوٍ لعدد مقامات الحريري الذي يدّعي دائماً أنّه يحذو حذو بديع الزمان. وليس بمستبعد أن يكون الحريري قد قلّد الهمذاني حتّىٰ في عدد المقامات ، ولكي نستطرد في الحديث عن البناء الفنّي للمقامة يجب أن لا ننسىٰ قيام المقامة علىٰ حادثة معيّنة ، أو مناظرة ، أو رواية يتّخذها هذا الكاتب لسرد موادّ أخرىٰ. ولهذه المحادثة أو المناظرة رواية يرويها ، وهو عادة عيسىٰ بن هشام عند بديع الزمان ، والحارث بن همام عند الحريري. كما وأنّها تدور حول بطل يختاره صاحب المقامة وهو عادة أبو الفتح الإسكندري عند الهمذاني ، وأبو زيد السروجي عند الحريري.
وممّا يلفت النظر أن أصحاب المقامات قد اختاروا أبطالاً لمقاماتهم من الثغور. فالإسكندري كما يقول عن نفسه ، من الثغور شأنه في ذلك شأن السروجي الذي هو من مدينة (سروج) قرب حرّان من ديار مضر ، وهي علىٰ طريق الموصل والشام والروم(١).
ومن المرجّح أنّ الزخرفة والزينة هي الغاية الأولىٰ في المقامة ، وليست القصّة أو الفكرة هي الغرض لكتابتها والحقيقة أنّنا نظلم الهمذاني بقولنا : إنّ غايته الأولىٰ هي اللفظ والصنعة مع كونه صاحب الفضل في ابتداع هذا الفنّ ، ثمّ إنّ مقاماته ليست جميعها بهذا التعقيد والصعوبة وهناك مقامات يرقّ فيها ويتبع السهولة.
ومن مميّزات المقامة الأخرىٰ : أنّ الشعر الذي يرد فيها يكون من البحور الخفيفة (كالهزج والسريع) وهو إمّا من نظم المؤلّف أو قول شعراء معروفين ويكون هذا الشعر إكمالاً للعبارة التي يتحدّث فيها المؤلّف.
__________
(١) معجم البلدان ٣/ ٢١٦.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٥ ] [ ج ١٤٥ ] تراثنا ـ العدد [ 145 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4726_turathona-145%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)