ومعانيها في وجوه مختلفة وضروب متصرّفة ، عارضها بأربعمائة مقامة في الكدية تذوب ظرفاً وتقطر حسناً ... لا مناسبة بين المقامتين لفظاً ولا معنىٰ ... وكم كنت أرجو لو أنّ الدكتور زكي مبارك قد أقنعنا بالدليل الدافع بصحّة هذا الادّعاء مع قناعتنا التامّة بعدم وجود ثمّة علاقة بين أحاديث ابن دريد ومقامات البديع من الناحية الفنّية والتركيبية. وإذا كانت هناك صلة بين الموضوعين من الناحية الموضوعية فإنّ ذلك لا يقنع الباحث بتأثّر الثاني بالأوّل. ولنا بعد هذا وذاك أن نستشرف رأي مَن قال : بأنّنا نتقبّل هذا الرأي ولكن بتحفّظ شديد ، إذ لا يعقل أن تكون أحاديث ابن دريد الرافد الوحيد لبديع الزمان ، ولا سيّما أنّ الهمذاني قد عُرف بثقافته المتشعّبة الأنواع ، فهو موسوعيّ بحقّ ، فضلاً عن اختزان ذاكرته بمعارف ثرّة ، تراثية وغير تراثية ، زد علىٰ ذلك كونه ذا اطّلاع استيعابي ، وطاقة موسوعية لكلّ ثقافة القرن الرابع الهائلة. وما أجمل قول الثعالبي فيه(١) : «إنّه كان صاحب عجائب وبدائع وغرائب. فمنها أنّه كان ينشد القصيدة التي لم يسمعها قط ، وهي أكثر من خمسين بيتاً فيحفظها كلّها ويؤدّيها من أوّلها إلىٰ آخرها ، لا يخرم خرماً ولا يخلّ بمعنىٰ ...». ولو كان لأحاديث ابن دريد كتاب ينفرد به لسهل علينا تناولها بحثاً وتمحيصاً. ولكنّ أبا علي القالي تلميذ ابن دريد يورد في أماليه أحاديث كثيرة تربو علىٰ التسعين. يرفعها إلىٰ أساتذة ابن دريد ممّا يزيدنا بأنّ كتاباً لابن دريد كان يحوي أضعاف هذا العدد من الأحاديث ولكنّه في عداد المفقود ، ولم يبقَ لنا هذا الكتاب حتّىٰ يمكن أن نحكم بصحّة ذلك(٢). ومن الغريب أن نرىٰ في الأفق
__________
(١) يتيمة الدهر ٤/ ٢٥٦.
(٢) تاريخ الأدب العربي ٢/ ١١٢.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٥ ] [ ج ١٤٥ ] تراثنا ـ العدد [ 145 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4726_turathona-145%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)