وفي العصر العبّاسي الوسيط (القرن الرابع الهجري) الذي أطلق هذه اللفظة علىٰ فنّ جديد شبيه بفنّ القصّة ... ومع ذلك فنحن نجد بديع الزمان يستعمل لفظة المقامة باستعمالها اللغوي أحياناً. فيقول علىٰ لسان عيسىٰ بن هشام : «قلت لبعض الحاضرين مَن هذا؟ فقال : غريب لا أعرف شخصه ، فاصبر عليه إلىٰ آخر مقامته لعلّه ينبئ عن نفسه».
وتطوّر استعمال لفظة (المقامة) حتّىٰ صارت تعني الدعوة التي يوجّهها أهل الكدية إلىٰ الناس ممّن يتوسّمون فيهم البرّ والإحسان. وقد وجدنا في مقامات الهمذاني ما يؤدّي إلىٰ هذا المفهوم(١).
ومجمل القول فإنّنا إذا تصفّحنا مقامات الهمذاني وبخاصّة المقامة الجاحظية ، فسنجد فيها آراء للهمذاني في قضايا الشعر القديم والمحدث ، ورأي الهمذاني في الجاحظ وأسلوبه ، ممّا يفهم منه أنّ المقامة تشتمل أيضاً علىٰ معنىٰ : التعبير عن آراء مؤلّف المقامة في فنون الأدب. وبديع الزمان الهمذاني جعل كلمة (مقامة) علماً للنوع الأدبي الذي نحن بصدد دراسته والذي هو ضَرْبٌ من النثر ، له خصائصه الفنّية ودعائمه الأساسية ، يتوخّىٰ بها المصنّف طرح ما يشاء من أفكار أدبية أو خواصّ تأمّلية أو انفعالات وجدانية أو مهارات لغوية ... والمقامة لا تخلو أيضاً من بعض صور الاحتيال ، ومراسم الكدية بعبارات منسّقة ومقاطع موزونة ذات ملامح بديعية وسمات زخرفية ... وهي في الواقع صدىٰ لأذواق أهل العصر ولما شاع من عادات مستكرهة في المجتمع كالكدية التي اختارها البديع أساساً في بناء مقاماته ، حيث انتشرت الكدية في أيّامه بأواسط آسيا وأصبح المكدون يؤلّفون
__________
(١) أثر المقامة في نشأة القصّة المصرية الحديثة : ١٥.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٥ ] [ ج ١٤٥ ] تراثنا ـ العدد [ 145 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4726_turathona-145%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)