دعاء كميل وغيره؛ فإنّ لكل إمام لهجة خاصّة وأسلوباً خاصّاً علىٰ تقاربها وتشابهها جميعاً؛ بل وحتّىٰ الشعراء لكلّ واحد منهم مورده الخاصّ الذي يعرف به مع كثرتهم الكاثرة؛ فالسامع لبيت واحد يقوىٰ في نفسه أنّه للمتنبّي أو لأبي تمّام أو لأبي العتاهية ، بل تعدّىٰ غيرهم ذلك ، ويذكر لك أنّ هذا المقول من الشعر هو جاهلي ، وذاك إسلامي ، وغيرهما أموي أو عبّاسي.
وسأنقل لك رواية وردت في كتاب بيان إعجاز القرآن للخطّابي (ت ٣٨٨هـ) ، يقول : «ولذلك صاروا إذا سئلوا عن تحديد هذه البلاغة ... قالوا : إنّه لا يمكننا تصويره ولا تحديده بأمر ظاهر نعلم مباينة القرآن غيره من الكلام ... وقد تمثّل بعضهم بأبيات جرير التي نحلها ذا الرمّة ، حيث ذكرت الرواة أنّ جريراً مرّ بذي الرمّة ، وقد عمل قصيدته التي أوّلها :
|
نبت عيناك عن طلل بحُزوىٰ |
|
عفته الريح وامتنح القطارا |
فقال : ألا أنجدك بأبيات تزيد فيها! فقال : نعم ، فقال :
|
يعدّ الناسبون بني تميمٍ |
|
بيوت المجد أربعة كبارا |
|
يعدّون الرباب وآل تيمٍ |
|
وسعدًا ثمّ حنظلة الخيارا |
|
ويذهب بينها المرئيّ لغواً |
|
كما ألغيتَ في الدية الحوارا |
فوضعها ذو الرمّة في قصيدته ، ثمّ مرّ به الفرزدق فسأله عمّا أحدث من الشعر؛ فأنشده القصيدة؛ فلمّا بلغ هذه الأبيات قال : ليس هذا من بحرك ، مضيفُها أشدّ لحيين منكَ! قال : فاستدركها بطبعه ، وفطن لها بلطف ذهنه»(١).
__________
(١) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن : ٢٢ـ٢٣ ، والرواية في الأغاني ١٦/١١٣(طبعة الساسي).
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٥ ] [ ج ١٤٥ ] تراثنا ـ العدد [ 145 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4726_turathona-145%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)