وباعتبار المحددات المنهجية الخطاب أبي تمام النثري ، والمتمثل في اختياراته الشعرية بما عرف تاريخيا بـ (حماسة أبي تمام) نستطيع تلمس حدوث تغاير في الوعي الفني والأدائي بفعل التغاير الثقافي والاجتماعي الذي ميز الحقبة التاريخية في نهايات العصر العباسي الأول ؛ إذ تميز خطاب أبي تمام الشعري عن الخطابات المتزامنة معه فضلاً عن الخطابات السابقة له زمنياً ، وتجاوز بأدواته الشعرية ( عمود الشعر ) ؛ ليخرج من مملكة التسلّط النخبوي للنسق الشعري القديم ويدشن أصقاع التجديد في شعرية متميزة أحدثت اضطراباً فنياً لمن اعتقد امتلاكه المعرفة الكاملة ؛ لأنه ينتمي إلى حقب ولد الشعر فيها كاملاً ، ومن ثم بدأ بالتناقص تدريجياً كلما ابتعدنا عن العصر الجاهلي .
ولكن أبا تمام وهو يرود فضاءات التجديد لم يدع إلى إحداث قطيعة معرفية كاملة مع الماضي ؛ لأنه فهم تمايز المجالات المعرفية بفعل تغاير الأدوات الموظفة فيها ، فلم يكن تجديد أبي تمام ــ على الرغم من كونه قد شكل ظاهرة فنية بارزة في عصره ــ خرقاً لقوانين القول الشعري وسننه ؛ إذ لم يشكل عائقاً أمام جدلية العلاقة بين الماضي والحاضر ، أو يتقاطع مع ركائز القول ودعائمه ، فالجديد الذي يبدعه أبو تمام يتخلق من أشياء سابقة عليه في الوجود ترتكز على علاقة خفية أو ظاهرة مع النصوص القديمة ؛ لأن وعيه الشعري قد تشكل استناداً إلى البنية اللغوية والجمالية وارتباطها بالمناخات الفكرية والحضارية ــ قديمها وحديثها ــ.
فما يقوم النص الأدبي هو مكونه الفني وعمقه الدلالي ، وما يندرج تحتهما من قضايا جوهرية تختص بشعرية النص من دون التعالي النصي ، أو الشعري على سابقيه ...
![الحماسة ذات الحواشي [ ج ١ ] الحماسة ذات الحواشي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4716_Hamasah-That-Hawashi-part01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
